في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أطلقت المقاومة الفلسطينية هجومًا مضادًا ضد الاستعمار الذي عمل على محو شعبها على مدار 70 عامًا. فردًّا على عقود من الإزالة، وفي عامٍ كان قد استشهد فيه عدد غير مسبوق من الأطفال، اجتاز فلسطينيون في غزة السياج الذي فرضه الاحتلال لمنعهم من عودتهم إلى أرضهم.
في المرة الأخيرة التي اقتربوا فيها من ذلك السياج، وهم غير مسلحين، قُتل المئات منهم. أما هذه المرة فكانوا جاهزين، واستهدفوا جنود الاحتلال فقضوا على المئات وأسروا المئات. أهداف المقاومة المعلنة: تحرير ألوف الأسرى وإيقاف تعامل سلطة رام الله مع العدو ورفع الحصار عن غزة، كخطوات نحو التحرير.
استغل الاحتلال الذعر وزعم حصول جرائم شنيعة وتجاوب بعنف شديد فقتل حتى إسرائيليين. وحتى يومنا هذا، لا يُعرف عدد الإسرائيليين غير المحاربين الذين قُتلوا على يد الكيان نفسه أو على يد فلسطينيين غير مؤطرين أو على يد مقالتي حماس. اعترفت حماس بحصول أخطاء وأكّدت في وثيقة "روايتنا" "تجنُّب مقاتليها استهداف المدنيين… كالتزام ديني وأخلاقي" ودعت لتحقيق دولي نزيه "في كلّ الجرائم التي اقترفت في فلسطين المحتلة". رفض العدو ومضى في فصل جديد من إبادته لفلسطين المستمرة منذ عام 1948، وطال عدوانه لبنان وسوريا وإيران واليمن وقطر.
الخسائر التي كبّدنا إياها العدو خلال السنوات الثلاث الماضية هائلة. لا يمكن الاستخفاف بها باعتبارها تحصيل حاصل نتيجة وجود الاحتلال، بل ينبغي إجلالها، فالدم غالٍ. للفلسطينيين وجهات نظر مختلفة من طوفان الأقصى. ومهما كانت وجهة نظرنا، يمكننا إيفاء هذه الخسائر حقها حين نحرص ألا تذهب سدًى، أي حين نفعل كل ما نستطيع فعله لتفكيك الكيان الإبادي.
لقد غيّرت السنوات الثلاث الماضية موازين القوى كليًا. ففي بعض النواحي، كان ذلك لصالح العدو، وفي نواحٍ أخرى، لصالحنا. المطلوب الآن إدراك تلك التغييرات والتعامل معها. فمن جهة، أطلق العدو عنانه بشكل غير مسبوق في غزة وكل فلسطين. وقد نشرت مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة ومنسقوها "خارطة طريق لغزة وفلسطين" ووثيقة "مناقشة وإثراء خارطة الطريق التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" لطرح خيارات عملية على هذا المستوى.
من جهة أخرى، تغير الموقف العام من الكيان. لا يجوز أن نكتفي بمراقبة هذا التغيير والترحيب به. بل على فلسطين قيادته وتنظيم الجهود حول عنوان واضح: إن هذا العنف هو إسرائيل وليس هناك من إسرائيل أخرى، فلنفككها معًا. كما أظهر طوفان الأقصى زيف الزعم التأسيسي للصهيونية أي زعم الدولة اليهودية كملاذ آمن لليهود. فإقامة دولة يهودية استيطانية تضع الأساس للفصل الهوياتي وتتطلب عنفًا مستمرًا لفرض الهيمنة. لذا، لا يمكن أن تكون ملاذًا آمنًا، لا للشعوب التي تعمل على إخضاعها ولا حتى لمن تدعي حمايتهم. فأي مبرر هناك لوجود دولة خاصة باليهود؟
لا يجوز أن نكتفي بمراقبة زيف مزاعم الكيان الصهيوني. علينا مخاصمة شرعيته المدّعاة من خلال طرح البديل عنه والنقيض الجوهري له بقوة: دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة لا تمنح الامتيازات على أساس الهوية بل تحمي الحقوق على أساس المواطنة. انتهى زمان اللاحلول البائسة فقد عرّى طوفان المقاومة وإبادة العدو سخافتها. علينا بوصفنا فلسطينيين إعادة إحياء رؤيتنا التاريخية للتحرير والانتظام حولها وعلى حلفائنا حول العالم الالتفاف حولها.
