تُظهر فلسطين أن البشرية ليست مستعدة لمواجهة الأزمات المقبلة. لكن هذا الواقع ليس محتومًا.

تتجه البشرية نحو عدد من الأزمات. فهناك احتمال حقيقي لحدوث جائحة عالمية أخرى. وقد تؤدي المواجهة بين الولايات المتحدة والصين إلى صراعات مسلحة. أما الأزمة البيئية، بما في ذلك الصراع الحتمي على موارد المياه، فقد تشكل تهديدًا وجوديًا.

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، فإن التطورات التي تنطوي على إمكانات هائلة للبشرية قد تكلف أيضًا دخل ملايين الأسر. كما أظهر الذكاء الاصطناعي قدرته على العمل خارج نطاق التعليمات والاستخدامات التي صُمم من أجلها، مما قد يتسبب في إلحاق الأذى بالبشر. وأخيراً، يحل الذكاء الاصطناعي تدريجيًا محل قدراتنا على البحث والتعبير وحل المشكلات والتفكير النقدي وغيرها. ويشكل إدخاله في المدارس خطرًا خاصًا على القدرات الفكرية للأجيال القادمة.

تهدد الأزمات الأنظمة القائمة، فتشكل تهديدات للمجتمعات وفرصًا للتغيير الجذري في آن واحد. لكن فشل الحراك العالمي من أجل فلسطين خلال السنوات الماضية في وقف الإبادة الجماعية واقتلاع الأنظمة التي تسمح بحدوثها، يدل على أن البشرية ليست مستعدة لمواجهة هذه الأخطار المرتقبة ولا للاستفادة من الفرص التي تتيحها. ومن ثم، فإن فهم أسباب عجزنا عن وقف الإبادة الجماعية يكشف لنا المجالات التي يتعين علينا العمل عليها. وتحدد مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة ثلاثة منها.

أولاً، معظم البشر غير منخرطين في تنظيمات سياسية. وهذا يتماشى مع الاتجاه المتزايد نحو الفردية الذي يجهض تأطير الجهود ويحول بالتالي دون إحداث التغيير. وغالبًا ما يؤدي بنا إلى التعبير الشفهي عن التضامن أو الإدانة بدلًا من العمل الذي يؤثر فعليًا على ميزان القوى. ومن الأمثلة على ذلك حملة "كل العيون على رفح"، التي كانت واحدة من أنجح الحملات الإلكترونية في التاريخ وفقًا لمقاييس وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لم توقف تدمير رفح.

ثانياً، يفتقر العديد من التنظيمات إلى الطابع السياسي. ويتماشى ذلك مع الاتجاه العالمي للنيوليبرالية. وقد لاحظنا ذلك بشكل خاص من خلال تواصلنا مع مئات المجموعات التي تواصلنا معها في فلسطين والشام والعالم، حيث أبدت ممانعة شرسة لتبنّي رؤية سياسية لفلسطين — سواء كانت رؤية لدولة ديمقراطية واحدة أم أي رؤية أخرى. والأسباب متنوعة:

  • أولئك الذين يركزون على العمل الانتخابي يرون أن تبني أي خيار سياسي مكلف من حيث الأصوات، ويفضلون رسائل أوسع نطاقًا مثل التضامن مع غزة أو عدم دعم الإبادة الجماعية.
  • أولئك الذين تأسسوا كرد فعل على أحداث مثل الإبادة الجماعية لا يرون الحاجة إلى رؤية سياسية، وينظرون إلى تحليل أسباب الحدث وتحديد الحل لتلك البنية على أنه مجرد تنظير.
  • أولئك الذين يستندون إلى الهوية أو الوجود الجغرافي أو وسائل عمل محددة يمانعون تبني رؤية سياسية قد تسبب انقسامًا بينهم.

ثالثًا، نفتقر إلى التثقيف السياسي والقدرة على التفكير النقدي. فالكثيرون منا يجهلون مفاهيم مثل نظرية القيمة والهيمنة الثقافية والكتلة التاريخية وتسييس الهوية والاختلافات بين الهياكل القبلية وهياكل الدولة وغيرها، وغالبًا ما لا يرون ضرورة لتعلمها. من ناحية أخرى، فإن الكثير ممن يدركون هذه المفاهيم يتبنونها بشكل عقائدي يكاد أن يكون دينيًا، دون رغبة تذكر في التشكيك فيها أو تطبيقها بشكل نقدي في سياقات محددة. وهذا يؤدي إلى عمل منفصل عن الواقع، وبالتالي يكون غير فعال.

قد تكون هناك انتقادات لهذا التحديد أو تحديد مجالات أخرى. ما يهم هو أن ندرك أننا لم نتمكن من تمييز شبكة علاقات القوة التي تربط بين مجموعات المصالح التي استفادت من الإبادة الجماعية، بما في ذلك رأس المال الذي يسيطر على وسائل الإعلام وصانعي القرار، والصناعات التكنولوجية والعسكرية التي تحتكر إنتاج الذكاء الاصطناعي، والكيان الاستيطاني في فلسطين. ما لم نعالج هذا الوضع، سنظل غير قادرين على بلورة مشروع سياسي على نقيض مشروعها وفرضه. على مر التاريخ، غالبًا ما تلقّى البشر الاضطرابات الكبرى، بما في ذلك الثورات التكنولوجية، كمفعول بهم. اليوم، لدينا الفرصة لنكون فاعلين مؤثرين إذا بنينا القدرات السياسية اللازمة.

اتخذت مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة عددًا من الخطوات في هذا الصدد، بما في ذلك قسم "المفاهيم السياسية والمجتمعية الأساسية" على موقعنا الإلكتروني، والبرنامج الثوري "قادِرون"، وبناء العلاقات السياسية في بلاد الشام وحول العالم. ندعو البشر حول الأرض إلى الاستفادة من هذه الأدوات، والمشاركة في مناقشات حول كل ما ورد في هذا البيان، والانضمام إلى تنظيمات سياسية تُشاطرنا القلق إزاء نزع الطابع السياسي عن البشرية والرغبة في مجتمعات أكثر حرية وسعادة.

سجلوا كمؤيدين لحل الدولة الديمقراطية الواحدة

للمشاركة

Scroll to Top