بطل يدافع عن وطنه في وجه المغتصبين، فينهال رعاع الهمج على أهل الأرض. ردة فعل مسعورة رأيناها في فلسطين ولبنان، لاسيما بعد إطلاق طوفان الأقصى. ردة فعل مسعورة إنما مدروسة. فالاحتلال يفرض ما يستطيع من هيمنة دون استثارة انتفاضة عارمة: في الداخل المحتل فصل عنصري، وفي غزة حصار، وفي الضفة تهجير وتهويد، وفي لبنان وسوريا قتل شبه يومي. وهذا ما يريدنا أن نعتبره "عنفًا معتادًا".
طالما لا يقاوم أصحاب الأرض، يواصل الاحتلال عنفه هذا ويزيد وتيرته شيئًا فشيئًا، حتى نطبّع ذهنيًا مع وجوده، بحيث تجرّ مهادنة عنف الاستعمار المزيد من الهيمنة. ثم، حالما يقاوم أصحاب الأرض، يمارس الاحتلال "عنفًا إضافيًا" يوحي أنه ردة فعل على الفعل المقاوم، وهو، في واقع الحال، "إضافي"، لم يكن ليحدث لو ارتضينا العنف المعتاد. الرسالة واضحة: "لا تقاوموا، وإلا". عنف إضافي مصمم ليرتاب أصحاب الأرض من الفعل المقاوم، وليصرخوا من قهرهم: "كفانا عنفًا!" – وهم يقصدون: "يكفينا العنف المعتاد، لمَ نجلب على أنفسنا عنفًا إضافيًا؟".
وهكذا يسعى الاحتلال لجعل الفعل المقاوم مكلفًا، تمامًا كما تسعى المقاومة لجعل الاحتلال مكلفًا. وينقل علامة الاستفهام من كيفية مواجهته إلى جدوى مواجهته. ويبث روح الانهزام ويُحدث شرخًا داخل المجتمع المستعمَر. ولعلّ هاتين الأداتين -ارتضاء الهزيمة والتفكك المجتمعي- أخطر ما في ترسانة العدو. وقد رأينا نجاح مسعاه هذا في خطاب "سد الذرائع" الذي يردده البعض، تارةً عن سوء نية وطورًا عن يأس وقهر. لذا، على الأطراف المقاومة أن تحرص على مواجهة هذا الخرق لمجتمعاتنا كما تحرص على مواجهة العدو في الميدان. فكيف نصدّ هذا الخرق؟
أولًا، علينا تقديم مبرر واضح وغير فئوي للعداء. فقد نتخذ قرار مواجهة العدو لأننا نجد معنىً في الندية، أو انطلاقًا من عقائد إسلامية أو قومية أو يسارية. لكن هذه الدوافع ليست مشتركة لدى كل الناس في مجتمعاتنا. وتبرير العداء على أساسها يوحي أن دوافعنا هي مسبب "العنف الإضافي"، وبالتالي أن من شأن تخلينا عنها إحلال السلام. بالمقابل، إن إبراز حقيقة المشروع الصهيوني كمشروع إخضاع وشرح طرق استخدامه للعنف يلفت الانتباه إلى ثمن اللا-مقاومة ويظهر أن الحل ليس بارتضاء العنف بل بالتخلص من مصدره.
ثانيًا، يجب تناول الفعل المقاوم بعين ناقدة. فكل الأفعال المقاومة مشروعة لكن ليست كلها مجدية. ونستذكر هنا مراجعة الجبهة الشعبية لجدوى العمل الفدائي خارج فلسطين ومراجعة الفصائل لخيار العمليات الاستشهادية وتطور خطاب حماس وصولًا إلى مستند "روايتنا" بشأن استهداف المستوطنين غير المحاربين. لذا، عوض التمترس خلف واقع أن "لا مفرّ من عنف الاحتلال الإضافي" للشروع في أية أفعال مقاوِمة، على الخيارات المقاوِمة أن تخضع لدراسة جدوى قبل الشروع بها ولمراجعة نقدية بعدها. وهكذا لا نثأر فقط بل نحسن الثأر، على حد قول الشهيد باسل الأعرج.
ثالثًا، علينا إدارة التعامل من لا يريدون المواجهة بدقة. فالنفس البشرية تميل للاستقرار والأمان لا للمخاطرة. ولم يحدث في التاريخ أن اختار مجتمع كامل المواجهة. وليس كل من يدعون للمساومة خونة، بل قد يكونون مضلّلين أو مرهَقين أو يائسين أو غير ذلك. لذا، لا يجب وضعهم في سلة الواحدة، مما يدفع اليائسين باتجاه الخائنين، بل إبراز التمايز بينهم في رؤيتنا وخطابنا وتعاملنا. بالمقابل، لا يجب الترحيب بخطاب المهادنة بل صدّه باعتباره تعدٍّ على الحق بالدفاع عن النفس. كما هناك حاجة للدقة في التمييز بين انتقاد مبدأ المقاومة وانتقاد خيار مقاوم. لذا ينبغي أن تحدَّد بدقة المواضيع القابلة للنقاش من تلك غير القابلة له. ولعلّ جملة جورج حبش مفتاح هذه الإدارة: "على قصيري النفس أن يتنحوا جانبًا". فمع أنه ليس من حقهم الوقوف بدرب من اختاروا الدفاع عن أنفسهم، ليسوا مجبرين على المواجهة، حتى أنه يمكننا تسهيل "تنحّيهم" عنها.
رابعًا، علينا إشراك المجتمع في المواجهة. فحين يكون المرء خارج دوائر اتخاذ القرارات المتعلقة بشكل وحجم وتوقيت المقاومة، يشعر أن قرار المقاومة فُرض عليه من أصحابه. وهذا ما يحدث شرخًا بين القياديين وسائر المجتمع، عوض الالتفاف العام حول المقاومة. وقد رأينا تجليات عدّة لهذا الخطر خلال طوفان الأقصى، إحدى منها دعوة القياديين والمقاومين للابتعاد عن أماكن تواجد "غيرهم". ويمكن معالجة الأمر على مستويين على الأقل: أولًا، إشراك المجتمع في القرار المقاوم من خلال تنظيمات ديمقراطية، ترحّب بالحوار والمشاركة في القرار على قاعدة العداء للكيان. ثانيًا، إشراك المجتمع في الفعل المقاوم من خلال عدم حصره بالسلاح. وهذا ما يقودنا للنقطة الأخيرة.
أخيرًا، علينا حشد طاقات مجتمعنا لبناء القوة. فالمشروع الصهيوني يمارس عنفه بالقدر الذي تتيحه موازين القوى، وهناك الكثير من الساحات التي ينبغي لنا مواجهته فيها لتغيير الموازين. فكيف يمكن إنتاج بعض الطعام في غزة وهل يمكن خلق فرص عمل إلكترونية هناك؟ وكيف يمكن فكّ حاجة الضفة لشبكات الطاقة والمصارف الإسرائيلية؟ وكيف يمكن لفلسطينيي الداخل ابتكار آليات تمثيل منفصلة عن انتخابات الكنيست لمخاصمة دولة الاحتلال عوض مطالبتها؟ وكيف يمكن بناء اقتصاد منتج يحرر الأردن من تبعيته للكيان؟ وكيف يمكن الدفع نحو استعادة قدرة سوريا على الصمود في وجه الكيان؟ وكيف يمكن تبني سياسات تصون تماسك المجتمع اللبناني في وجه مساعي العدو لتفتيته؟ وكيف يمكن لفلسطين أن تقود الحراكات العالمية المناصرة لها؟ وكيف يمكن تحفيز هجرة اليهود المعاكسة من فلسطين؟ وكيف يمكن تأسيس إعلام مقاوم يستغل التناقضات بين المستوطنين لدفعهم نحو اقتتال؟ وما هي ساحات المواجهة المغفلة الأخرى؟
كما ذكرنا، إن عنف الاحتلال مدروس، وعلى مواجهتنا له أن تكون مدروسة. لنتجه إذن نحو مشروع سياسي تحرري وديمقراطي يصون مجتمعاتنا من الانهزام والتفكك ويحشد طاقاته حتى زوال الكيان.
