مناقشة وإثراء "خارطة الطريق" التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

نشرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني" ودعت مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني للمساهمة في تطويرها وإثرائها. نقدّر في مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة هذه الجهود والدعوة للنقاش والحرص على الوصول إلى أرضية جامعة، فالحاجة ماسة لتقديم برنامج عمل يتناول المخاطر المحدقة بنا. ونقدّم هنا ملاحظاتنا على وثيقة الجبهة.

أولًا، هناك حاجة لتقديم رؤية ترى فلسطين واحدة. فمقدمة الوثيقة تتناول "المرحلة المفصلية التي يمرّ بها شعبنا" لكنها تذكر غزة والضفة الغربية واللاجئين دون الإشارة إلى شعبنا في الداخل المحتلّ. كما أنها تستخدم تعبير "إنهاء الاحتلال" في الإشارة إلى الأراضي المحتلة عام 67. يجب ألا تقتصر رؤية أي تنظيم على المناطق التي هو فاعل فيها.

ثانيًا، هناك حاجة لبرنامج عمل محدد لا مجرد عناوين. على سبيل المثال، تطرح الوثيقة "إصلاح منظمة التحرير"، وهو عنوان مطروح منذ عقود. وتطرح "إزالة العوائق للانتخابات"، وهي الحجة نفسها التي استخدمها محمود عباس لإلغائها. فهل حُدِّدَت الخطوات التي ينبغي القيام بها حتى نعتبر أن المنظمة أُصلِحَت أو أن العوائق أزيلت؟ ما هي السبل لفرض هذه التغييرات على من يرفضون القيام بها؟ ما هو الأفق الزمني للمحاولة وما العمل لو فشلت هذه الجهود؟

كما تصوّر الوثيقة الانتخابات كمدخل لصون الحريات العامة السياسية والإعلامية والنقابية، وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون، وإنصاف عوائل الشهداء والأسرى والجرحى. لكن كيف يساهم إجراء الانتخابات في معالجة هذه القضايا؟ هل نرضى بانتهاك هذه الحقوق حتى تقرر السلطة إجراء الانتخابات؟ ولماذا لا ننخرط في مواجهة من ينتهكون هذه الحقوق منذ الآن؟

ثالثًا، الحاجة ليست لتقديم أهداف نظرية بل مشروع عمل يتعاطى مع الواقع. فالوثيقة تطرح "إنهاء الاحتلال وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وضمان حق العودة"، لكن هذا ما يرفضه العدو. وتطرح الترشح للانتخابات "دون اشتراطات مسبقة"، لكن هذا ما ترفضه السلطة. وعليه، على "خارطة الطريق" أن تذكر، لا الخطوات التي كنا نتمنى لو اتخذها غيرنا، بل الطريق الذي سنسلكه نحن لفرض هذه الأهداف.

كما تطرح الوثيقة "معالجة الانقسام بالحوار والشراكة". لكن سبب الانقسام ليس غياب الحوار، فها هي الفصائل وسائر مكونات شعبنا تتحاور منذ عقود. بل إن الانقسام يعود أساسًا لتعدّد الأهداف السياسية، لا سيما بين من يسعى للتأقلم مع وجود دولة الاحتلال من خلال السعي لتحصيل بعض الحقوق ضمنها أو من خلال طرح الدولتين ومن يسعى لتفكيك دولة الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية واحدة من النهر إلى البحر على أنقاضها. فكيف يمكن "معالجة الانقسام"؟ هل يمكن، مثلًا، أن نساهم في عودة فتح لطرح الدولة الديمقراطية الواحدة؟ وماذا لو لم تعُد له، فهل المطلوب أن نتنازل نحن عن هدف التحرير بهدف رصّ الصفوف معها؟

تباعًا لما سبق، ما نطرحه في مبادرة الدولة الديمقراطية الواحدة هو خيار سياسي مختلف وجذري، عنوانه انتقال اليسار الفلسطيني من لعب دور الوسيط إلى تقديم المشروع البديل لتغيير موازين القوى. على سبيل المثال لا الحصر، كنا قد نبّهنا من مؤشرات إزالة عرقية محدقة، في وثيقة "خطر نكبة قادمة يلوح في أفق فلسطين: اقرعوا جدران الخزان!" في صيف 2023. وطرحنا خطوات لبناء اقتصاد مستقل عن السوق الصهيونية وعن رأس المال الأجنبي في الضفة الغربية، ولدفع قطاعات مجتمعية لمواجهة طرح الدولتين في الأوساط الفلسطينية، ولقيادة الفصائل الفلسطينية للحراكات العالمية المتضامنة.

كما طرحنا مؤخرا في وثيقة "خارطة طريق لغزة وفلسطين" خطوات عملية لمراجعة المصطلحات الشائعة التي يستخدمها العدو وأبواقه لتفتيت شعبنا، وبناء اكتفاء ذاتي نسبي في غزة من ناحية الطعام والدواء والطاقة والعمل وتحويل الأموال، وإشراك المجتمع في النقاش والقرار السياسي عوضًا عن تسليمه المسألة لصف من القيادات، وإشراك المجتمع في كافة أشكال المواجهة عوضًا عن حصرها بالسلاح، وحشد طاقات الشعب في ساحات مواجهة سياسية وإعلامية وقانونية تؤثر على موازين القوى.

بطبيعة الحال، إن الانتقال من التكلم عمّا نتمناه إلى ما نعتزم فعله ليس بالأمر الهين. فهو يتطلب الاستعداد لحسم الخيارات، مما يعرّضنا للهجوم ممّن لن تناسبهم هذه الخيارات، وللتخلي عن الامتيازات التي يمنحوننا إياها كي نكتفي بالكلام ولا ننتقل إلى طرح البديل، ولبذل الجهود في حشد طاقات مجتمعنا. لنستلهم إذن من قياداتنا وأبطالنا الذين ضحوا بأرواحهم من أجل مواجهة الهزيمة، ولنقدّم كل التضحيات في سبيل تقديم بديل سياسي، خارطة عمل يغير موازين القوى.

المراجع:

خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطن

خطر نكبة قادمة يلوح في أفق فلسطين: اقرعوا جدران الخزان!

خارطة طريق لغزة وفلسطين

سجلوا كمؤيدين لحل الدولة الديمقراطية الواحدة

للمشاركة

Scroll to Top