في السنوات الأخيرة، وقبل حرب الإبادة الجماعية على غزة، أدى انهيار اتفاقيات أوسلو وتلاشي وهم حل الدولتين إلى ظهور العديد من المقترحات السياسية البديلة لحل الصراع الاستعماري في فلسطين. وكان من أبرز هذه المقترحات رؤية "الدولة الديمقراطية الواحدة"، التي تتخذ شكلين رئيسيين: دولة مواطنة واحدة أو دولة ثنائية القومية. وتُعد "حملة دولة ديمقراطية واحدة" (ODSC)، التي تأسست قبل سبع سنوات، أحدث صيغة لهذه الرؤية، إذ تبني برنامجها على مشروع التحرر الأصلي الذي أقرته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1971. وقد قامت هذه الحملة، التي يقودها فلسطينيون، بتحديث هذا البرنامج الأصلي بالاستناد إلى أدبيات واسعة طوّرها مفكرون وأكاديميون ونشطاء سياسيون فلسطينيون منذ أواخر التسعينيات، وتحديدا بعد توقيع اتفاقية اوسلو الكارثية. ورغم أن هذين الشكلين يختلفان حول قضايا معينة، فإنهما يبتعدان عن النماذج التقليدية ويلتقيا في مكوّن أساسي واحد، هو ضرورة تفكيك بنية الهيمنة الاستعمارية وإنشاء دولة واحدة، إما بثلاثة برلمانات، أو ببرلمان واحد ودستور واحد وقضاء واحد. وتتبنى الحملة نموذج دولة المواطنة الواحدة باعتباره الحل الأكثر عدالة واستدامة.
لكن، في الآونة الأخيرة، برزت مبادرة عربية-يهودية إسرائيلية بعنوان "دولتان في وطن واحد"، تدّعي تقديم بديل لحل الدولتين التقليدي. وفي الواقع، فإن هذه المبادرة ليست سوى إعادة تدوير لأنموذج ميت بالفعل، دُمّر عملياً، وعن سبق الإصرار، على يد النظام الاستعماري والإبادي الإسرائيلي.
عقب ظهور مبادرة "دولتان في وطن واحد" كطرح سياسي، تزايدت التساؤلات داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية الفلسطينية، وكذلك بين نشطاء التضامن الدوليين، حول الفروق الجوهرية بين هذا النموذج والرؤية التي تطرحها "حملة دولة ديمقراطية واحدة". وللوهلة الأولى، يبدو أن المشروعين يتشاركان سمات مهمة؛ فكلاهما يقر بأن المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط قد أصبحت فضاءً جيوسياسياً واقتصادياً واحداً، مما يجعل التقسيم الإقليمي التقليدي الذي نصّت عليه عملية أوسلو أمراً مستحيلاً على نحو متزايد. كما يعترف كلاهما بأن الصيغة الكلاسيكية لحل الدولتين قد وصلت إلى طريق مسدود تاريخياً.
غير أن هذا التقارب الظاهري يخفي تبايناً أكثر عمقاً. فخلف المصطلحات المشتركة يكمن فهم مختلف تماماً لطبيعة الصراع، ومعنى العدالة، والمستقبل السياسي لفلسطين. فبينما يسعى مقترح "دولتان في وطن واحد" إلى الحفاظ على المنطق الأساسي للتقسيم بصيغة معدّلة، تجادل "حملة دولة ديمقراطية واحدة" بأن الافتراضات السياسية والقانونية والأخلاقية التي قام عليها التقسيم قد انهارت هي نفسها. وبالتالي، فإن الخلاف ليس مجرد خلاف مؤسسي أو دستوري، بل يتعلق بالإطار المفاهيمي الذي ينبغي من خلاله فهم فلسطين وتفكيك الاستعمار فيها.
وقد ازدادت أهمية هذا النقاش مع إضفاء الطابع المؤسسي المتزايد على مبادرة "دولتان في وطن واحد"، واستقطابها للتمويل الخارجي، ومشاركة عدد محدود من الأكاديميين والباحثين الفلسطينيين، ولا سيما من داخل "إسرائيل". وفي المقابل، لا تزال "حملة دولة ديمقراطية واحدة" حتى الآن حملة سياسية تطوعية منذ تأسيسها، وقد تمكنت مؤخرا من تسجيلها رسميا في بريطانيا، في اطار سعيها وطموحها للتحول الى حركة شعبية وقوة مؤثرة. وهي تجمع بين فلسطينيين من مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني، بمن فيهم المواطنون الفلسطينيون في منطقة ٤٨، والفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، والمقدسيون، والشتات، إلى جانب أكاديميين ونشطاء يهود إسرائيليين ملتزمين بالمبادئ المناهضة للاستعمار والصهيونية. وقد منح هذا التكوين الاجتماعي والسياسي الواسع الحملة درجة أعلى من الشرعية داخل قطاعات واسعة من الخطاب السياسي الفلسطيني، وجعلها أكثر قبولاً بين الفلسطينيين. وعلاوة على ذلك، يستمد مشروع الحملة إلهامه من الرؤية الأصلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بدلاً من كونه إطاراً معروضاً أو مفروضاً من قوى خارجية، الأمر الذي يمنحه قدراً أكبر من الجاذبية والإقناع.
ومن المهم أيضاً التوضيح أن ظهور "حملة دولة ديمقراطية واحدة" لم يكن مجرد رد فعل على انهيار حل الدولتين. فرغم أن الفشل المتسارع للتقسيم قد عزز بلا شك من راهنية هذا الطرح، فإن الحملة انطلقت من قناعة أوسع، مفادها أنه لا يمكن تحقيق سلام دائم من دون عدالة تاريخية. وتتلخص فرضيتها المركزية في أن القضية الفلسطينية ليست في جوهرها نزاعاً حدودياً يتطلب مساومة إقليمية، بل هي قضية استعمار استيطاني تتطلب تفكيك الاستعمار. وبناءً على ذلك، فإن الهدف ليس مجرد استبدال صيغة سياسية غير قابلة للتطبيق بترتيب دستوري آخر، بل إرساء إطار قادر على معالجة المظالم التاريخية التي قام عليها النظام الاستعماري القائم.
وقد اكتسب هذا النقاش إلحاحاً أكبر خلال الحرب الابادية الإسرائيلية المستمرة على غزة، والهجمات الوحشية ضد الفلسطينيين قي الضفة الغربية، وتعميق هامشية فلسطينيي ال٤٨، وتصعيد الممارسة العدوانية ضدهم، دون اعتبار لمواطنتهم. ففي ظل الكارثة الإنسانية المباشرة وحتمية البقاء، يواجه التفكير السياسي في المستقبل خطر التهميش والتأجيل إلى أجل غير مسمى. غير أنه في لحظات العنف القصوى تحديداً، يصبح الوضوح الاستراتيجي أمراً لا غنى عنه. فإذا فُهمت فلسطين باعتبارها قضية تحرر مناهضة للاستعمار، وليست مجرد مأساة إنسانية، فإن تطوير أفق سياسي متماسك يغدو جزءاً أساسياً من المقاومة نفسها. ومن ثم، فإن حماية الوعي السياسي الجمعي من المقترحات التي تحجب الجذور البنيوية للصراع لا تقل أهمية عن مواجهة مظاهره المباشرة.
وتتجلّى هذه الضرورة بصورة خاصة عندما تحاول الدبلوماسية الدولية، على نحو متزايد، إحياء صيغ مختلفة من أنموذج الدولتين. وغالباً ما تُقدَّم هذه المبادرات باعتبارها جهوداً واقعية لإعادة السلام، لكنها نادراً ما تواجه الحقائق التي جعلت التقسيم مستحيلاً في المقام الأول، وفي مقدمتها: التوسع المتواصل للمستوطنات، وتجزئة الأرض الفلسطينية، ومأسسة الأنظمة القانونية الاستعمارية والعنصرية، والإنكار المستمر للحقوق الوطنية الفلسطينية وحقوق اللاجئين. وفي هذا السياق، تبدو الدعوات المتجددة للتقسيم أقل حرصاً على تحقيق العدالة للفلسطينيين، وأكثر اهتماماً بالحفاظ على الشرعية الدولية لكيان الابرتهايد وتجنب المساءلة الحقيقية عن عقود من الاحتلال والاستعمار والتطهير العرقي والابادة والتجريد الممنهج من الملكية.
التفسيرات المختلفة للصراع
يبدأ التمايز الجوهري بين الرؤيتين السياسيتين من تفسيريهما المختلفتين لطبيعة الصراع نفسه. فإذا فُهم الصراع، في المقام الأول، على أنه نزاع قومي بين شعبين يمتلكان مطالب تاريخية متساوية في الأرض نفسها، فقد تبدو التسوية من خلال التقسيم، أو من خلال نسخة معدّلة منه، أمراً معقولاً. ومثل هذا التفسير يشجع، بطبيعته، الترتيبات المؤسسية المصممة للموازنة بين الهويات الوطنية المتنافسة، مع الحفاظ على سيادات منفصلة. لكن هذا ليس له صلة بالحقيقة التاريخية، والراهنة.
ترفض "حملة دولة ديمقراطية واحدة" هذا الإطار التحليلي، وتجادل بأنه ينبغي، بدلاً من ذلك، فهم فلسطين باعتبارها حالة كلاسيكية من الاستعمار الاستيطاني الاحلالي والفصل العنصري (الأبارتهايد)، حيث جرى تجريد السكان الأصليين من ملكيتهم، والعمل على استبدالهم من خلال مشروع محو متواصل، والتوسع الإقليمي، والتمييز القانوني، والهندسة الديموغرافية. ومن هذا المنظور، لا يمكن للعدالة أن تقتصر على مجرد تنظيم العلاقات بين كيانين قوميين، بل تتطلب تفكيك البنى الاستعمارية التي أنتجت العنف واللامساواة في المقام الأول، واستبدالها بنظام دستوري ديمقراطي واحد، قائم على المواطنة المتساوية، والحقوق الفردية، والمساواة الجماعية لجميع من يعيشون في البلاد، ومن طردوا منها.
ويفسر هذا الاختلاف سبب نظر الحملة إلى مقترحات مثل "دولتان في وطن واحد" بوصفها مقترحات مضللة، رغم ابتعادها الظاهري عن نموذج الدولتين التقليدي. فبدلاً من تجاوز التقسيم، يحاول هذا المقترح إنقاذه عبر الإبقاء على دولتين، إسرائيل وفلسطين، مع فتح الحدود، وإتاحة الإقامة المتبادلة، وإنشاء مؤسسات مشتركة محددة، مستلهمة جزئياً من تجربة التكامل الأوروبي. ورغم أن هذه الابتكارات تمثل، بلا شك، خروجاً عن إطار أوسلو، فإنها تترك المبدأ التأسيسي القائل بأن السيادة يجب أن تظل منظمة حول دولتين قوميتين منفصلتين من دون مساس.
ويُعد التشبيه بالاتحاد الأوروبي، في هذا السياق، تشبيهاً إشكالياً إلى حد بعيد؛ إذ نشأ التكامل الأوروبي بين دول ذات سيادة اعترفت ببعضها بعضاً على قدم المساواة، عقب انتهاء الحروب الإمبريالية. أما الحالة الفلسطينية، فهي تتعلق بعلاقة استعمار استيطاني مستمرة، تمارس فيها دولة واحدة هيمنة سياسية وعسكرية وقانونية ساحقة على شعب آخر. وبالتالي، فإن العقبة المركزية ليست وجود الحدود في حد ذاته، بل النظام الاستعماري الذي أوجد، ولا يزال يفرض، علاقات قوة غير متكافئة. ومن ثم، فإن فتح الحدود من دون تفكيك هذه البنية قد يخفف بعض مظاهرها الظاهرة، لكنه يُبقي منطقها العميق قائماً. وعلاوة على ذلك، ووفق هذا الأنموذج الناقص، ستستمر الدولة الإسرائيلية في السيطرة على 78% من فلسطين التاريخية، وهو ما يمثل ظلماً صارخاً. وبناءً على ذلك، سيكون من شبه المستحيل إقناع غالبية الفلسطينيين بتبنّي هذا المشروع بوصفه أداة لتحررهم.
الآثار العملية: العدالة، تفكيك الاستعمار، والديمقراطية
تتجلى الآثار العملية لهذه الأطر المتنافسة بصورة خاصة عند تناول ثلاث قضايا تقع في صلب القضية الفلسطينية: حق العودة، والمستوطنات الإسرائيلية، وطبيعة الديمقراطية نفسها.
بالنسبة إلى "حملة دولة ديمقراطية واحدة"، لا يُعد اللاجئون الفلسطينيون قضية إنسانية تُدار عبر التعويضات، أو الاعتراف الرمزي، أو إعادة التوطين المحدودة، بل هم أصحاب حق قانوني وسياسي غير قابل للتصرف في العودة إلى وطنهم والمشاركة، على قدم المساواة، في إعادة بناء دولة ديمقراطية في وطنهم الذي هُجّروا منه. ومن ثم، فإن حق العودة ليس عقبة أمام السلام، بل أحد أسسه التي لا غنى عنها. وأي تسوية سياسية تفشل في استعادة هذا الحق لا يمكنها ادعاء تحقيق العدالة التاريخية، لأنها تترك الفعل الأصلي للتجريد من الملكية والمحو، الذي قام عليه الصراع، من دون معالجة.
ويواجه مقترح "دولتان في وطن واحد" معضلة أساسية في هذه المسألة؛ فطالما بقيت إسرائيل دولة قومية يهودية، فإن عودة ملايين اللاجئين الفلسطينيين ستتحدى، حتماً، الأسس الديموغرافية والسياسية التي تقوم عليها هذه الدولة. ونتيجة لذلك، يميل أنصار هذا المقترح إلى تبني صيغ تسوية، مثل العودة بالدرجة الأولى إلى الدولة الفلسطينية، أو العودة الرمزية، أو الحصص المتفاوض عليها، أو ترتيبات خاصة أخرى. ورغم تقديم هذه الصيغ باعتبارها عملية وواقعية، فإنها تعيد إنتاج القيود نفسها التي ميزت عملية أوسلو، من خلال إخضاع حق قانوني ثابت لمقتضيات الجدوى السياسية. والنتيجة ليست حلاً حقيقياً لقضية اللاجئين، بل تأجيلها إلى أجل غير مسمى، وصولاً إلى تصفيتها عملياً.
ويظهر توتر مماثل فيما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية؛ إذ يجادل مؤيدو "دولتان في وطن واحد"، عموماً، بأن المستوطنين يمكنهم البقاء في أماكنهم كمواطنين إسرائيليين يقيمون داخل الدولة الفلسطينية، تماماً كما يمكن للفلسطينيين الإقامة في إسرائيل وفق ترتيبات متبادلة. ورغم أن هذا المقترح يسعى إلى تجنب دورة جديدة من التهجير، فإنه يترك سؤالاً أكثر جوهرية من دون إجابة: هل يمكن للمستوطنات التي أُنشئت بفعل الاستعمار أن تتحول ببساطة إلى مجتمعات مدنية عادية، من دون معالجة الظلم الذي أوجدها؟
ويؤكد المنظور المناهض للاستعمار أن العدالة الانتقالية تتطلب ما هو أكثر من مجرد التعايش السلمي؛ فهي تستلزم الاعتراف بالظلم التاريخي، واستعادة الحقوق حيثما أمكن، وتفكيك المؤسسات التي كرّست سياسات المحو واللامساواة. فلا يمكن بناء المصالحة على تطبيع نتائج المشروع الاستعماري، مع الإبقاء على البنى التي جرت من خلالها مصادرة الأراضي، وتهجير المجتمعات، ومأسسة الامتيازات القانونية، من دون مساس.
وفي الوقت نفسه، ترفض «حملة دولة ديمقراطية واحدة» أي رؤية تقوم على العقاب الجماعي أو استبعاد اليهود الإسرائيليين. فهي لا تنظر إلى اليهود الإسرائيليين باعتبارهم أعداء دائمين، مع أن أوساطًا واسعة من الشعب الفلسطيني بدأت، بعد حرب الإبادة، تتساءل عمّا إذا كان ممكناً يومًا العيش مع مجتمع متوحش وقفت غالبيته الساحقة وصفّقت لهذا الإجرام الإبادي. ومع ذلك، فإن الحملة تميّز بين الأفراد الذين أصبحوا جزءًا من الواقع الاجتماعي للبلاد، وبين النظام الاستعماري الاستيطاني الذي منحهم امتيازات سياسية غير متكافئة. ولذلك، فإن الهدف ليس الطرد، ولا قلب معادلة الهيمنة، بل إلغاء الامتياز المؤسسي نفسه. فالمساواة تقتضي استبدال النظام الإثنوقراطي بإطار دستوري ديمقراطي، تستند فيه المواطنة إلى الانتماء السياسي المشترك، لا إلى الهوية الإثنية أو الدينية. وطبعًا، فإن ذلك كله مشروط بالتخلي عن الامتيازات الاستعمارية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة المجرمين، بما يضمن عدم تكرار الجريمة الاستعمارية.
ويعكس هذا الالتزام الفهم الأوسع للحملة لمفهوم تفكيك الاستعمار؛ إذ كثيراً ما يُساء تقديم هذا المفهوم على أنه انتقام أو استبدال ديموغرافي، بينما يعني، في حقيقته، تفكيك البنى القانونية والسياسية والدستورية التي تنظم الحقوق وفق تراتبية إثنية-وطنية. فالهدف ليس استبدال نظام هيمنة بآخر، بل إقامة كيان سياسي ديمقراطي تكون فيه السيادة ملكاً لجميع المواطنين على قدم المساواة، وتحظى فيه الحقوق الفردية والجماعية بحماية دستورية.
ويتجلى التباين بين المشروعين بالقدر نفسه في فهمهما للديمقراطية. ففي إطار نموذج "دولتان في وطن واحد"، تظل الديمقراطية محصورة داخل دولتين قوميتين منفصلتين؛ إذ تستمر إسرائيل في تعريف نفسها دستورياً بوصفها دولة يهودية، بينما تصبح فلسطين دولة وطنية فلسطينية. وقد يزداد التعاون، وقد تصبح الحدود أكثر نفاذية، وقد تنشأ مؤسسات مشتركة، لكن المواطنة تظل تمر عبر سيادتين قوميتين متنافستين.
أما "حملة دولة ديمقراطية واحدة"، فتطرح مفهوماً مختلفاً جذرياً؛ إذ ترى أن الديمقراطية لا يمكن أن تتعايش مع امتياز دستوري دائم قائم على العرق أو الدين. فالدولة الديمقراطية الحقيقية يجب أن تستمد الحقوق السياسية من المواطنة المتساوية وحدها. وتظل الهويات الثقافية والدينية واللغوية مصونة بالكامل، لكنها لا تشكل أساساً لتحديد الوصول إلى السيادة، أو السلطة السياسية، أو سياسة الهجرة، أو المكانة الدستورية. فالمساواة ليست مجرد موازنة بين امتيازات متنافسة، بل هي إلغاء الامتياز ذاته.
النضال من أجل أفق جديد
غالباً ما يجادل مؤيدو "دولتان في وطن واحد" بأن مقترحهم أكثر واقعية من الناحية السياسية، لأنه يتجنب مواجهة الهويات القومية القائمة. غير أن الواقعية لا ينبغي أن تُقاس فقط بمدى القبول السياسي على المدى القصير، بل يجب أن تُقاس أيضاً بقدرة المقترح على معالجة الأسباب البنيوية للصراع. ويثبت التاريخ، مراراً وتكراراً، أن التسويات التي تؤجل أسئلة العدالة الجوهرية قد تخفف من حدة العنف مؤقتاً، لكنها نادراً ما تؤسس لسلام دائم. فالاستقرار القائم على اللامساواة الاستعمارية، من دون معالجة أسبابها، يعيد في نهاية المطاف إنتاج الظروف التي تفضي إلى صراعات أشد دموية في المستقبل.
وتعزز تجربة العقود الثلاثة الماضية هذه الخلاصة؛ فالجهود والمـوتمرات والأموال التي خصصت لإدارة الصراع من دون تفكيك بنى الاستعمار الاستيطاني أفضت إلى احتلال أكثر ترسخاً، ومستوطنات أكثر اتساعاً، وتجزئة أشد عمقاً، وعنف غير مسبوق. وفي ظل هذه الخلفية، فإن المقترحات التي تسعى إلى الحفاظ على البنية الأساسية للتقسيم، حتى وإن اقترنت بترتيبات مؤسسية مبتكرة، تخاطر بأن تتحول إلى مجرد محاولات لإعادة التدوير السياسي، لا إلى بدائل تاريخية حقيقية. ليس هذا فحسب، بل هذا يعني تبديد المزيد من الجهود والأموال والوقت، والأخطر إطالة وتعميق المعاناة التي يتجرعها الشعب الفلسطيني.
لذلك، فإن النقاش بين هاتين الرؤيتين ليس نقاشًا حول الهندسة الدستورية أو التصميم الإداري، بل هو نقاش حول مستقبل العدالة في فلسطين. فهل ينبغي أن تتركز الجهود السياسية على إدارة نتائج الاستعمار الاستيطاني مع الحفاظ على البنى التي أسسته، أم ينبغي أن تتجه نحو تفكيك تلك البنى بالكامل؟ وهل ينبغي فهم السلام باعتباره تعايشًا داخل نظام دستوري مشوَّه، وفي ظل واقع أفرزته الإبادة الجماعية، أم باعتباره عملية تأسيس لمجتمع ديمقراطي واحد يقوم على تفكيك منظومة الاستعمار، و تحقيق المساواة، وحق العودة، والعدالة الانتقالية، والمواطنة المشتركة؟
من منظور «حملة دولة ديمقراطية واحدة»، فإن المسار الثاني وحده هو الذي يفتح أفقًا لمستقبل مستدام ومتسق أخلاقيًا. فالمشروع لا يعد باختراق سياسي فوري، ولا يدّعي أن تفكيك الاستعمار سيكون مهمة سهلة، بل يطرح عملية مقاومة تاريخية طويلة الأمد، لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية حول رؤية ديمقراطية مناهضة للاستعمار، قادرة على توحيد الفلسطينيين عبر مختلف الانقسامات الجغرافية والسياسية، وجذب شركاء يهود ديمقراطيين مناهضين للاستعمار. وبدلًا من إحياء أنموذج تقسيم تجاوزته إسرائيل وحلفاؤها الإمبرياليون، وحوّلوه إلى خيار مهجور سياسيًا وعمليًا، يسعى هذا المشروع إلى بلورة أفق سياسي جديد، متجذر في المبادئ الكونية للحرية، والمساواة، والعدالة التاريخية.
