كيف يُصنَع "الوحش الفلسطيني"؟ سيكولوجيا نزع الإنسانية في الخطاب الإسرائيلي

"إرحمونا!" لم تكن هذه الصرخات التي سمعت خلال الإبادة في غزة تعبير عن ألم فقط بل كانت مرآة تعكس الوضعية التي يجد الفلسطينيون أنفسهم بها، فقد نزع عنهم المحتل صفة الإنسانية وقد صرح مسؤولوه أكثر من مرة أنهم يواجهون "حيوانات بشرية". فالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ليس مجرد مواجهة بين القوي والضعيف، بل هو أيضًا معركة بين النزعة الإنسانية للتعاطف، ونظام احتلال يسعى إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم. فلكي تستطيع أن تسيطر بشكل منظم على شعب لعقود وتدمر منازلهم وتحد من حركتهم وتشن حرب إبادة عليهم، لا بد من آلية نفسية عميقة أولا تسمح بنزع جوهر الإنسانية عنهم. سيحاول هذا المقال أن يفسر هذه الآلية النفسية: سيكولوجيا نزع الإنسانية. من خلال تقديم إطار نظري نفسي وطرح بعض طرق المواجهة الممكنة.

ما هو نزع الإنسانية؟ 

يعرف الباحث ديفيد ليفينغستون سميث عملية نزع الإنسانية (Dehumanization): بأنها عملية معرفية تقوم على تصور مجموعة معينة من البشر على أنها "مخلوقات ما دون بشرية (subhuman) وبالتالي فهي لا تنتمي إلى فئة البشر. يظهر في هذا التعريف أننا عندما ننزع الإنسانية عن فئة معينة لا نفكر بما ينقصهم فقط بل أيضا بما هم عليه. فهم ليسوا فقط دون البشر ولكنهم أيضا مخلوقات خطرة كالوحوش والشياطين أو مخلوقات خسيسة مثل القوارض أو الحشرات أو جراثيم أو أورام لابد من استئصالها.

يتجلى هذا المفهوم بوضوح في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي فيما يخص الفلسطينيين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التصريح الذي أدلى به وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، والذي قال فيه: "نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف وفقًا لذلك". هذا التصريح يحمل دلالات عميقة تتجاوز كونه مجرد توصيف سلبي للطرف الآخر؛ فهو يشكل نموذجًا صارخًا لتطبيق عملية نزع الإنسانية. فهو لم يصف الفلسطينيين بأنهم "حيوانات" فحسب، وهو تشبيه يهدف إلى إنكار صفاتهم الإنسانية، كما لم يقل عنهم إنهم "بشر" قاموا "بأفعال سيئة" يمكن محاكمتهم عليها في إطار إنساني. بدلاً من ذلك، صاغ صورة مركبة تجمع بين المتناقضات: "حيوانات بشرية". هذه الصورة المركبة تستحضر في الذهن مخلوقات هجينة، نصف بشرية ونصف حيوانية، تشبه الوحوش في أفلام الرعب، مثل "المومياء" التي تجمع بين الموت والحياة. هذا التجسيد الهجين يخلق كيانًا شاذًا ومخيفًا، وهو أكثر فعالية في بث الرعب من مجرد وصف الخصم بالحيوان. ولهذا الأمر عدد من الأهداف التي قصدها غالانت:

أولاً: تبرير العنف. من خلال وصف الطرف الآخر بأنه "وحش" أو "كائن خسيس"، يتم إخراجه من دائرة الحماية الأخلاقية والقانونية التي يتمتع بها البشر. يصبح من المقبول، بل ومن الضروري، "التصرف وفقًا لذلك" أي استخدام أي وسيلة للقضاء على هذا الخطر غير البشري. والأخطر من ذلك أن عملية القتل هذه تتحول من مجرد فعل عنف مبرر إلى فعل أخلاقي؛ إذ يتصور الفاعل أنه يؤدي واجبًا نبيلًا بتخليص العالم من هذه الكائنات التي تهدد الوجود الإنساني. بهذا التحول، يكتسب العنف شرعية مضاعفة: شرعية الضرورة وشرعية الفضيلة.

ثانيًا: إثارة الرعب وحشد التأييد. تعمل صورة الفلسطيني كوحش هجين على إثارة الرعب لمؤيدي إسرائيل داخلها وخارجها، وتجعلهم يشعرون بأنهم أمام خطر وجودي لا يمكن ارضاؤه أو التفاوض معه، بل لا بد من القضاء عليه. هذا الشعور بالخطر الوجودي يحشد الدعم الشعبي والسياسي للحرب والإبادة، ويخلق مناخًا عامًا يساند أي إجراء ضد هذا العدو "اللاإنساني" مهمة كانت وحشيته، ويُسكت الأصوات الناقدة أو الداعية للحلول السلمية.

غير أن هذا التحليل يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ما الذي ينقص هؤلاء الناس بالأساس حتى يُعتبروا "ما دون البشر"؟ كيف يمكن تبرير نزع الإنسانية عن كائن يشبهنا في كل شيء، داخلياً وخارجياً؟ الجواب يكمن في مفهوم "الجوهر الإنساني" human essence فبالنسبة للإسرائيليين، الفلسطينيون – رغم أنهم يشبهون الصهاينة تماماً من الخارج، ولهم البيولوجيا نفسها، فهم يأكلون ويشربون ويمشون على قدمين، ولهم قلوب وأعين وأيدٍ – إلا أنهم يُصوَّرون على أنهم يفتقرون إلى هذا الجوهر المتخيل الذي يُفترض أن يمتلكه كل البشر ويرفعهم إلى مرتبة الإنسان الكامل. 

ما الذي يجعل نزع الإنسانية ممكناً؟

وهنا سؤال آخر: ما الذي يمكّن العقل البشري من تصور الآخرين ككائنات دون المستوى الإنساني؟ ما هي الآليات المعرفية التي تجعل هذه العملية ممكنة، بل ومقنعة، على الرغم من التشابه البيولوجي الواضح بين البشر؟ تكمن الإجابة في ثلاث خصائص أساسية للعقل البشري: القدرة على التصنيف، الميل إلى إسناد "الجوهر" للكائنات، والتصور الهرمي للعالم الطبيعي والاجتماعي.

أولاً: آلية التصنيف (Classification): تمثل القدرة على تقسيم العالم الطبيعي إلى فئات نسميها "أنواعاً" خاصية معرفية أساسية، وهي في غاية الأهمية لبقائنا وتفاعلنا مع الطبيعة، حيث تساعدنا على فهم الظواهر الطبيعية وإدارتها والتنبؤ بسلوك الكائنات من حولنا. غير أن هذه القدرة التكيفية انتقلت – في مرحلة ما من التطور الثقافي والاجتماعي – من مجال الطبيعة إلى مجال الاجتماع البشري، حيث صرنا نقسم الناس إلى أعراق وجماعات وفئات. إن فهم هذه الآلية أمر بالغ الأهمية، لأنها تشكل لب العنصرية؛ والعنصرية بدورها تمثل البوابة التي تؤدي إلى نزع الإنسانية. فالعنصرية تعني أن ننظر إلى فئة معينة على أنها أدنى منا قيمةً أو منزلة، وما هي إلا خطوة واحدة إلى الأمام حتى يتحول هذا "الأدنى قيمة" إلى "دون البشر".

ثانياً: الميل إلى إسناد الجوهر (Psychological Essentialism): إلى جانب التصنيف، يبدو أن لدينا ميلاً معرفياً قوياً نحو اعتبار أن لكل كائن حي "جوهراً" (essence) يميزه عن غيره، ويعطيه خصائصه الثابتة، وينتقل إلى ذريته. هذا الجوهر المتخيل يُنظر إليه كمصدر غير مرئي للهوية والصفات. في سياق نزع الإنسانية، يتم توظيف هذا الميل المعرفي عبر الادعاء بأن الجماعة المستهدفة تفتقر إلى الجوهر الإنساني الذي يمتلكه الآخرون. وهنا يكمن التناقض: رغم التشابه البيولوجي والسلوكي الظاهر، يُصوَّر الفلسطينيون وكأن جوهرهم مختلف، جوهر ناقص أو دنيء، مما يبرر معاملتهم ككائنات من نوع أدنى.

ثالثاً: التصور الهرمي للكائنات (Hierarchical Thinking): تكتمل هذه الآليات بميل معرفي آخر، وهو أننا نميل إلى الاعتقاد بوجود ترتيب هرمي صارم للكائنات الحية، يضع بعضها في الأعلى وبعضها في الأسفل. يسمح لنا هذا التصور الهرمي بتصنيف الكائنات والجماعات على سلم متدرج من القيمة والوجود. فعندما يتم تطبيق هذا التصور على المجال الاجتماعي، تصبح الجماعات البشرية موزعة على سلم وجودي: في القمة "البشر الكاملون"، وفي الدرجات الدنيا "الحيوانات البشرية". هذا التسلسل الهرمي المتخيل يضفي شرعية على الهيمنة والسيطرة، بل ويجعلها تبدو "طبيعية" و"حتمية".

عندما ننظر إلى الخطاب الإسرائيلي، نكتشف حقيقة نفسية مهمة: نزع إنسانية الفلسطيني هو في الأساس مرآة تعكس نفسية الإسرائيلي، وليست وصفًا حقيقيًا للفلسطينيين. إنها آلية دفاعية نفسية تهدف إلى تبرير الفظائع، وتحويل الفلسطينيين إلى مجرد "رقم" أو "خطر وجودي" أو "وحش" يستحق العقاب، مما يسهل على الجلاد تخطي حاجز الضمير الأخلاقي. لهذا، فإن مقاومة هذه الآلية تبدأ باستعادة جوهر الإنسان.

كيف نواجه نزع الإنسانية؟

أول خطوات استعادة الإنسانية تكمن في إبراز الفردية وتحويل الارقام إلى أسماء. كل شهيد سقط ليس مجرد رقم في إحصائية، بل كان إنسانًا له حكايته. عندما نسمي شهداءنا بأسمائهم، ونروي قصصهم الشخصية – ماذا كانوا يحبون، وماذا كانوا يحلمون به، وما هي طموحاتهم الصغيرة والكبيرة – فإننا نمحو أثر التجريد عنهم. إن السرد عن طفل كان يحلم بأن يصبح طبيبًا، أو شابًا كان يعزف العود بحب، أو عجوزًا كانت تضحك لأحفادها، يعيد للضحية كرامتها ويجعل رحيلها جرحا في إنسانيتنا الجماعية، وليس مجرد بند في تقرير سياسي.

أما الخطوة الثانية، فهي توثيق الحياة اليومية. في الوقت الذي تحاول فيه بعض الروايات اختزال الفلسطيني في صورة "مقاتل" أو "تهديد"، فإن نشر صور ومقاطع عن الحياة الفلسطينية العادية يقدم الدحض الأقوى والأكثر صدقًا. صور طلاب في رحاب الجامعات، وهم يقرؤون ويناقشون ويحلمون بالمستقبل. مشاهد أطباء يعالجون المرضى في المستشفيات، متحدين الحصار ونقص الإمدادات. فيديوهات لفنانين يعزفون الموسيقى، وأطفال يلعبون في الأزقة أو على شاطئ البحر. هذه المشاهد ليست مجرد توثيق للحظة، بل هي إعلان حياة. فالحياة اليومية، بكل تفاصيلها البسيطة والجميلة، هي أقوى دحض لكل محاولات نزع الإنسانية.

ثالثا علم الآثار المقاوم: بينما يحاول الاحتلال استخدام علم الآثار كأداة ليهودن الأرض ويطمس التاريخ الفلسطيني، يمكن للفلسطينيين استخدامه كسلاح مقاومة ثقافية. توثيق الوجود التاريخي الفلسطيني من خلال ربط الفلسطيني المعاصر بأسلافه الكنعانيين وغيرهم من الشعوب التي سكنت هذه الأرض عبر آلاف السنين، يعيد تشكيل السردية. فالإنسان فقط هو من له تاريخ وهوية وذاكرة. عندما نثبت أن جذورنا في هذه الأرض تمتد لآلاف السنين قبل أي رواية استعمارية حديثة، فإننا نؤكد أننا لسنا دخيلاً يمكن تهجيره، بل شعب مرتبط بأرضه ارتباطاً عضوياً وتاريخياً.

رابعا التغطية المباشرة: في زمن الإبادة على غزة، كانت منصات مثل تيك توك وإنستغرام نافذة العالم الحقيقية على ما يحدث. صحافة المواطن الفلسطيني كسرت احتكار السردية، ونقلت المشهد مباشرة بدون فلترة. وجوه الأطفال تحت الأنقاض، أصوات الأمهات تنادي أبناءهن، شباب يوزعون الطعام على النازحين، طفل يرسم علم فلسطين على جدار مدمر. هذه المشاهد الحية تظهر الوجوه والأصوات الفلسطينية الحقيقية، وتعيد إنسانيتهم إليهم. فالعالم يرى بعينيه من هم الضحايا الحقيقيون، ومن يمارس العنف الحقيقي.

خامسا حركات المقاطعة: العمل على مقاطعة إسرائيل أكاديمياً واقتصادياً وثقافياً يخلق حالة من الندية، ويرسل رسالة واضحة: الفلسطينيون قادرون على فرض تكلفة على الاحتلال، وأنهم فاعلون في الساحة الدولية، وليسوا مجرد ضحايا سلبيين ينتظرون الرحمة. والأهم إنها تخلق نوع من الندية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وحالة الندية لا تكون إلا بين بشر متساوي بالقيمة.

سادسا الاعتراف المتبادل: في خضم الصراع، تبرز لحظات استثنائية من الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين واليهود المناهضين للاحتلال. صور لقاءات تضامنية، وجنود إسرائيليون سابقون لا يكتفون بالاعتراف بجرائمهم، بل باتوا يعارضون فكرة الدولة اليهودية ذاتها ويعملون ضدها، وناشطو سلام يهود يقفون مع الفلسطينيين في مواجهة سياسات الهدم والتهجير، وعائلات إسرائيلية تتبنى رواية النكبة و تناهض المشروع الصهيوني من جذوره. إن توثيق هذه اللحظات يكشف عن إنسانية مشتركة.

وأخيرا، الثقافة والفن: الرواية الفلسطينية، الشعر، السينما، والموسيقى تنقل المشاعر الإنسانية العميقة – الحب، الفقدان، الأمل، الحزن، الغربة، العودة – التي لا يمتلكها إلا البشر. فيلم مثل "عمر" لا يروي قصة صراع سياسي فقط، بل قصة حب مستحيل، وخيانة، وصداقة. روايات غسان كنفاني لا تقدم وثائق سياسية، بل تمنحنا عالماً داخلياً غنياً ومعقداً، بشخصيات تعشق وتتألم وتحلم بالعودة إلى شاطئ البحر. هذه الأعمال الفنية تنقل للعالم أن الفلسطيني ليس "رقماً" ولا "وحشاً"، بل إنسان يبكي ويضحك ويحب ويكتب الشعر ويعزف الموسيقى مثل كل البشر، لكنه يحمل جرحاً اسمه فلسطين.

في الختام، يتجاوز هذا الصراع كونه نزاعاً على الأرض ليصبح صراعاً على القيمة الإنسانية. آليات نزع الإنسانية التي كشفنا عنها تهدف إلى تبرير الاحتلال وقمع شعب بأكمله. لكن مقاومة الفلسطيني، بكل أشكالها الثقافية واليومية وغيرها، تثبت يومياً زيف هذا التجريد. غير أن استعادة الإنسانية عبر الثقافة والتوثيق تبقى ناقصة ما لم تكتمل سياسياً.في نهاية المطاف، لا يمكن استعادة إنسانية الفلسطيني كاملة، ولا تحرير الضمير اليهودي من ثقل الجلاد، إلا بإنهاء الاحتلال، والعمل نحو إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة، يتساوى فيها الفلسطيني واليهودي المناهض للصهيونية في الحقوق والكرامة. فهذا هو الجوهر التاريخي للمشروع التحرري الفلسطيني.

سجلوا كمؤيدين لحل الدولة الديمقراطية الواحدة

للمشاركة

Scroll to Top