مقاربات لغوية و نظرية في مفهوم الدولة

لفهم نشوء الدولة الحديثة و بنيتها ووظيفتها، لا يكفي الانطلاق من التعريف اللغوي المأخوذ من فعل دَولَ أو تداول، بمعنى الانتقال و التعاقب، وهو المعنى الذي استند إليه ابن خلدون في مقدمته الذي يقوم على علاقة دينامية بين عصبية متراكمة من جهة والمجتمع من جهة أخرى، و هي قابلة للنشوء و الازدهار ثم الانحدار و الزوال في تداول و حركة مستمرين.

كما لا يصح الانطلاق من المفردة الانكليزية State ذات الأصل اللاتيني Status الدالّة على الثبات والاستقرار، فهذا المعنى كان يعكس الواقع الأوروبي القديم، حيث كانت المجتمعات تعيش في ممالك تشبه الإقطاعيات الصماء نسبياً، تسودها سلطة مركزية ومطلقة داخل حدود كل إقطاعية، ما أعطى كلمة State مضامين تدلّ على الاستقرار المؤسسي قبل أن توجد المؤسسات الحديثة.

ويبدو أن مقاربة المفهوم على مستوى النظريات السياسية إشكاليٌّ بتنوعه أيضاً، فينطلق بعضها من : 

  • المقاربة الطبقية التي ترى في الدولة أداة لتنظيم مصالح الطبقة السائدة وحماية الملكية الخاصة، وتربط نشأتها بتبلور النظام الرأسمالي. (الماركسية الكلاسيكية). 
  • في المقابل ترى المقاربة الليبرالية أن الدولة موجودة فقط لحماية السلم الاجتماعي وحقوق الأفراد، مثل الحرية و الملكية. باعتبار أن المجتمع قادر في الأصل على تنظيم نفسه ذاتياً، و أن توسّع وظائف الدولة يشكل خطراً على هذا التنظيم. (هوبز و لوك قرن 1600-1700 م).
  • أما المقاربة المؤسسية ذات الجذور الفيبرية (ماكس فيبر)، فتتعامل مع الدولة ككيان قائم بذاته، مركّزة على بنيتها البيروقراطية واحتكارها للعنف المشروع، من دون أن تنشغل كثيراً بسؤال النشوء التاريخي.

إلا أنه تجدر الإشارة هنا أن الضبط الفيبري لمفهوم الدولة يستند على تعميم كبير و قدرة وصفية عالية لبنية الدولة و وظائفها و ربما هذا ما جعله الأكثر شيوعاً إلا أن شيوع تناوله ينطوي على مغالطات مخلّة إن كانت عن حسن نية وخطيرة  للغاية عندما تكون عن سوء نية،  فاحتكار العنف المشروع ليس امتيازاً يمنح لمن يسيطر على الأرض و السلاح، بل هو وظيفة مؤطرة بشروط صارمة، تبدأ بشرعية اجتماعية تمثيلية واضحة، تمر بوجود مؤسسات عامة فاعلة، وتُختبر بقدرة السلطة على إخضاع نفسها للمساءلة. فالعنف المشروع بالدولة الفيبرية ليس تعبيراً عن القوة، بل تعبير عن الضبط وحماية المجال العام من تحوله الى ساحة صراع.

  • وتأتي المقاربة القومية لتربط الدولة بتطلّع الأمم إلى حكم ذاتها، بوصفها التعبير السياسي الأعلى عن الهوية الجماعية.
  • و أخيراً مقاربة فلسفة التاريخ المثالية التي تعتبر الدولة نتاج مسيرة التقدم التاريخي المتداخل مع العقلنة، ومن ثم فهي تجسيد لمفهومها العقلي، وهكذا يصبح التفاوت و التنوع بين الدول عبارة عن ابتعاد عن هذا المفهوم و اقتراب منه. (فريدريك هيغل)

تُسهم هذه المقاربات، بدرجات متفاوتة، في تفسير نشوء الدولة الحديثة، ولا سيما في السياق الأوروبي، إلا أن أي محاولة نظرية جدّية في فهم الدولة تحتاج إلى تضافر هذه المقاربات و غيرها. فالإصرار على مقاربة واحدة في تفسير منشأ الدولة وبنيتها ووظيفتها وعلاقتها بالمجتمع والاقتصاد والثقافة، وتأثيرها وتأثرها بهذه العوامل، لا يؤدي فقط إلى تبسيط ظاهرة مركّبة، بل قد يفضي إلى تحويل النظرية إلى خطاب مغلق ايديولوجياً

لذا يجب ربطها بالنظم السياسية و سياسات و تاريخ نشوء الدولة و الوصل والفصل بين نشوء الدول و البنى السياسية التي كانت قبل الدولة.

في ضرورة التمييز بين الدولة و نظام الحكم

في الدول السلطوية الحديثة، على اختلاف أنماطها، يسهل التمييز بين نظام الحكم ومؤسسات الدولة. فقد عمدت غالبية الأنظمة السلطوية إلى إنشاء قوى عسكرية خاصة تتبع للحاكم الفرد مباشرة، مثل الحرس الجمهوري أو القوات الخاصة، ولا تخضع للجيش النظامي الذي يفترض أن يكون إحدى المؤسسات الأساسية للدولة. وبالمثل، جرى ربط الأجهزة الأمنية بالحاكم، خارج أي إطار مؤسسي.

إلى جانب ذلك، تشكّلت ظاهرة الأسر الحاكمة، وبرزت شبكات من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام، في تحالف وثيق مع الأجهزة الأمنية، وبات هذا التحالف يمسك بمفاصل السلطة السياسية و الاقتصادية. ومع تعقّد البنية البيروقراطية–العسكرية، وازدياد هواجس الانقلابات، والوسائل التي اعتمدتها الأنظمة للسيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية، تطور الأمر في بعض الدول إلى ما يشبه إقامة «دولة داخل الدولة». فقد نشأت أجهزة رديفة أصبحت هي مركز الثقل الحقيقي، فيما تحولت بقية مؤسسات الدولة إلى أجهزة تنفيذية تابعة. أما المؤسسات الدستورية الرسمية، كالحكومة والبرلمان، فقد غدت الأقل نفوذاً، بحيث أصبحت مؤسسات النظام أقوى من مؤسسات الدولة نفسها.

يبدو التمايز بين نظام الحكم والدولة في بلادنا هائلاً، إلا أنه يصبّ في صالح النظام الحاكم، وتطغى فيه العلاقات الشخصية على منطق المؤسسة. وعندما تحدث أي انتفاضة أو أزمة كبرى، فلا تصمد وحدة الدولة المفروضة بالقوة، بينما تبقى «الدولة التي داخل الدولة» بجمهورها المستفيد منها، أكثر تماسكًا وقدرة على المقاومة، ما يجعل تغييرها صعباً من دون المساس بقدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

ورغم محاولات بعض الأنظمة الحاكمة بناء دول شمولية، كما في حالة سوريا والعراق، إلا أنها لم تنجح نتيجة عدم قدرة مؤسسات الدولة على التغلغل في المجتمع. وانتهت هذه المحاولات إلى أنظمة شديدة القمع، همّشت المؤسسات لصالح الأجهزة الأمنية، وتغلغلت في قطاعات محددة من المجتمع دون أن تنجح في تمثيله ككل، للحفاظ على تماسك هذه البنية السلطوية شديدة التعقيد.

وخلاصة القول، أن التمايز بين الدولة و النظام الحاكم يسهل تمييزه في النماذج السلطوية، وهذا ما يدعو النظام الحاكم إلى فرض التماثل بينه وبين مؤسسات الدولة بالقوة، في حين أن التماثل يكون طبيعياً بين الدولة و النظام الديمقراطي، حيث يقوم على وحدة الدولة وتوزيع السلطات داخلها مما يسهم بتشكيل المؤسسات على أسس ديمقراطية بشكل تدريجي لتصبح دولة ديمقراطية.

في نقد الدولة: تشكل "الدولة الهجينة" أو "الكيان الوظيفي"قراءة في أطروحتَي علي صالح مولى و هشام البستاني 

يرى المفكر علي صالح مولى أن مشاريع الإصلاح والتحديث التي أُطلقت في مركز السلطنة العثمانية خلال القرن التاسع عشر لم تنجح في إنقاذها أو إعادة بنائها كدولة حديثة قابلة للاستمرار. ولا يعزو هذا الفشل إلى الضغوط التي مارستها الدول الأوروبية الحديثة ذات النزعة التوسعية الاستعمارية، ولا إلى التأخر التقني والعسكري في بنية الدولة العثمانية فحسب، بل يربطه أساساً بتلاقي هذه العوامل مع ما يسميه «انسحاب الزمن السياسي المهيمن».

والمقصود بهذا المفهوم، بحسب أطروحة مولى، هو أن نموذج الحكم الإمبراطوري–الخلافي لم يعد قادراً على الاستمرار بالاستناد إلى شرعية مستمدة من الدين والتقاليد وحدهما. فقد بدأت المجتمعات العثمانية تعيش تحولات اجتماعية واقتصادية وفكرية عميقة، انعكست في موجات احتجاج وانتفاضات سياسية، وفي نشوء وانتشار جمعيات وأحزاب سياسية حديثة، مثل جمعية الاتحاد والترقي والجمعية العربية الفتاة وغيرها.

في هذا السياق، فقد المنطق الخلافي-الديني قدرته على تفسير الواقع الجديد، وتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية، وإقناع قطاعات متزايدة من السكان بشرعيته. وبهذا المعنى، لم يعد انهيار «الرجل المريض» حادثة عرضية أو نتيجة إخفاق إصلاحي قابل للتدارك، بل مساراً تاريخياً بات شبه محتوم مع تآكل الأسس التي قام عليها ذلك النظام السياسي.

كان المتوقع تاريخياً في سياق البلدان العربية، أن يتم العبور من النموذج العابر للقوميات — أي النموذج الخلافي/الإمبراطوري — إلى النموذج القومي، بوصفه لحظة وسيطة تؤسس لوعي سياسي حديث جامع. غير أن ما جرى فعلياً كان انتقالاً مباشرا من هذا النموذج الإمبراطوري إلى النموذج الوطني، أي إلى دولة الإقليم وحدوده المفروضة، من دون أن تكتمل اللحظة القومية أو تتحول إلى بنية سياسية مستقرة. وقد تجلّى هذا القفز بوضوح في تجربة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين حاولت نخب قومية عربية، وفي طليعتها رجالات الجمعية العربية الفتاة، الاستثمار في مشروع الملك فيصل بوصفه أفقاً ممكناً لدولة عربية جامعة. إلا أن هذا المشروع، على الرغم من زخمه الرمزي والفكري، لم يمتلك شروط التحول إلى دولة قومية مكتملة، لا من حيث السيطرة على أدوات القوة، ولا من حيث الاعتراف الدولي، ولا من حيث بناء مؤسسات قادرة على ترسيخ الشرعية. وهكذا، جرى الانتقال في بلداننا من الأممية الإمبراطورية مباشرة إلى الوطنية القطرية، بما يشبه القفز على اللحظة القومية، أي الانصراف من مجال شعوري–تاريخي متخيَّل أو مأمول، إلى مجال وطني–إداري تحكمه ضرورات "الدولة الحديثة" بوصفها جهازاً بيروقراطياً مصطنعاً بموجب اتفاقيات محاصصة فرضتها دول التحالف الأوروبي، أكثر مما تحكمه سردية تاريخية – ثقافية جامعة.

في هذا السياق، أصبح مفهوم الوطن حصيلة تقاطع ظاهرتين مصطنعتين: الدولة – حدود الاستعمار وليس الدولة – الأمة. فالهُوية الوطنية تحددت أولا بمساحتها الجغرافية المجتزأة، وهذه الجغرافيا تحددت وفق اتفاقيات ومعاهدات دولية لم تأخذ بعين الاعتبار النسيج المجتمعي والتاريخي واللغوي الذي يكوّن الأمة، بل فرضت حدوداً جغرافية لا تعكس خصائصها الهووية.
ونتيجة لهذا التشكيل، وُلدت ما يمكن تسميته الدولة الهجينة، سواء أكان هذا التشكيل نتيجة لضغط الواقع الخارجي، أو نتيجة لتخطيط مسبق من قبل صانعي هذا الواقع.

أما المفكر هشام البستاني فيقدّم قراءة مختلفة، ترى في الدولة الوطنية – القطرية «كياناً وظيفياً»، أي ما دون الدولة الحديثة، فهذه الدولة لا تعبّر عن ارادة المجتمع ولا تعبر عن مشروع سيادي مستقل، بل هي أقرب لكيان وظيفي أنشئ ليؤدي أدواراً ضمن بنية النظام الدولي القائم.

وفق هذا الفهم، لا تتعلق أزمة الدولة الوطنية – القطرية فقط في ضعف بنيتها الداخلية و اختلال علاقتها بالمجتمع، بل في عجز أعمق بتعلق بالسيادة، فهي قد تنجح بدرجات متفاوتة في احتكار العنف المشروع تجاه مجتمعها، لكنها تفشل في صدّ العنف القادم من خارج حدودها، أي ذاك العنف المرتبط بالقرار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي. فتبقى قراراتها مقيّدة بشروط النظام الدولي و موازين القوة ، وبرامج وآليات المؤسسات الاقتصادية والسياسية العالمية كالبنك الدولي او صندوق النقد.

فيظهر احتكار الدولة الوطنية – القطرية للعنف احتكاراً ناقصاً و مشوهاً، يضبط المجتمع لا يحميه ، ويدير تناقضاته دون أن يعطيه دوراً في الإقليم و العالم.

ولذلك فهو يرى أن هذه الكيانات هي دول شكلية، تعاني من أزمة بنيوية في تشكيلها و وظيفتها فهي لا تحتكر العنف بالمعنى السيادي الكامل ولها أدوار مرسومة مسبوقاً.

نحو مشروع تحرري و ديمقراطي: الشرعية والسيادة قدما المشروع ودعامته

يُظهر طرح المفكر علي صالح مولى إشكالية خفية، تتمثل في وقوعه، جزئياً، أسير النموذج الأوروبي في تشكّل الدولة الحديثة، أي نموذج الدولة–الأمة. ويتجلى ذلك بوضوح في استناده إلى المعضلة التي أشار إليها بيير بورديو، ومفادها أن «الأمة في البلدان الأوروبية القديمة هي التي بنت الدولة، بينما اضطرت الدولة في البلدان ما بعد الكولونيالية إلى أن تبني الأمة».

هذه الثنائية — هل الأمة تبني الدولة أم الدولة تبني الأمة؟ — تبدو، في السياق ما بعد الكولونيالي، إشكالية فعلاً. فالتجربة التاريخية في منطقتنا تشير إلى أن الدولة سبقت الأمة، لا العكس. غير أن هذا السبق لم يكن مجرد اختلاف زمني، بل مثّل خرقاً لما يمكن تسميته بالمعقول التاريخي لتكوّن الدولة. فالأصل أن الجماعة السياسية، أي الأمة بمعناها العميق، هي التي تنتج دولتها. أما أسبقية الدولة على الأمة، كما حصل في تجاربنا، فقد جاءت معاكسة للسيرورة التاريخية، وأنتجت دولة بلا قاعدة اجتماعية متماسكة.

غير أن هذا النقد لا يلغي نقطة أساسية يغفلها طرح مولى، وهي الدور التاريخي للدولة في إدماج المجتمع، لا بوصفها جهاز قسر فقط، بل بوصفها منتِجة لـ«المتخيل الرمزي الجامع». فالأمة، في عمقها، ليست معطى لغوياً أو إثنياً أو دينياً جاهزًا، بل شكل من أشكال الوعي الجمعي . وهذا الوعي لا يتشكل إلا داخل علاقات اجتماعية وسياسية تُدار ضمن إطار الدولة، أي ضمن علاقات السلطة الموجودة في المجتمع.

هنا يصبح استدعاء تصور أنطونيو غرامشي ضرورياً، حين عرّف الدولة بوصفها تداخلاً بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، تحكمه أيديولوجيا جامعة. هذه الأيديولوجيا ليست خطاباً مفروضاً من فوق، بل تعبيراً عن رابطة رمزية تنتجها عملية الإدماج الاجتماعي نفسها. من هنا، فإن الاكتفاء بفكرة «الأمة الجاهزة سلفاًَ» — خصوصاً حين تُختزل بالقومية — يعيدنا إلى مأزق مألوف، ويُعيد إنتاج تجارب لم تثمر إلا مزيداً من التفتت والتنازع.

إن إنتاج قيم ومعارف وسياسات جديدة لا يكون بالحنين إلى لحظة فائتة، بل بانخراط الوعي الجمعي — أي الأمة بوصفها فعلاً تاريخياً حيّاً — في مغامرة جديدة، تبني أفقها المعرفي والأخلاقي انطلاقاً من شروط اللحظة الراهنة. هنا تكمن أهمية طرح علي مولى: فهو يؤكد أن الدولة، في أصلها، هي دولة المجتمع، وأن أي دولة لا تستمد شرعيتها من مجتمعها محكومة بأن تكون دولة هجينة. غير أن طرحه، رغم لغته الجميلة وحساسيته النقدية، يبقى أقرب إلى قصيدة رثاء لزمن لم يعد ممكناً، قصيدة مؤثرة، لكنها لا تقدّم مخرجاً، لأن التاريخ لا يسير إلى الخلف.

في المقابل، يقدّم هشام البستاني قراءة أكثر ثورية، تنطلق من تعريف الدولة عند ماكس فيبر بوصفها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع. غير أن البستاني، وهو يفكك هذا التعريف في سياق نظام دولي عنيف، يصل إلى خلاصة قاسية: الدولة الوطنية–القطرية عاجزة عن السيادة، لأنها لا تحتكر العنف إلا داخليًا، بينما تُسلب إرادتها سياسياً واقتصادياً من الخارج. غير أن هذه القراءة، على حدّتها وصدقها، تصطدم بدورها بعجز عن تخيّل دولة ممكنة و مقاومة في اللحظة السياسية الراهنة، فتحيل هذه الثورية الصادقة بمضامينها الصراع المحلي على بناء دول ذات شرعية وسيادة قادرة على تمثيل المجتمع واعطاءه دور ضمن هذا العالم، إلى صراع أبعد من الحاجة المحلية الملحّة، صراعٌ مع معظم ما أنتجته الحداثة الغربية.

ومع ذلك، فإن القيمتين اللتين تستخلصهما هاتان القراءتان تلتقيان عند جوهر واحد: الشرعية في الداخل والسيادة تجاه الخارج. وهذان البعدان هما ما تحتاجه مجتمعات المنطقة اليوم لتأسيس مشروع تحرري ديمقراطي فعلي.

لقد عبّرت الحراكات المجتمعية منذ انطلاق انتفاضات الربيع العربي عن هذه الحاجة بوضوح، حين رفعت شعار «إسقاط النظام». ولم يكن هذا الشعار موجّهاً ضد الدولة، بل ضد نظام الحكم الذي صادرها. فالمطلوب لم يكن تدمير الدولة، بل تحريرها: إسقاط النظام من أجل بناء دولة، دولة تستمد شرعيتها من مجتمعها عبر نظام ديمقراطي مؤسسي، لا عبر حكم العائلات، أو الطغم المسيطرة، أو زعماء الطوائف الذين لا يزيدون المجتمع إلا قلقاً وانقساماً.

أما السيادة، فلا تُمنح من الخارج، ولا تتحقق بقرار فوقي، بل تُبنى بتضافر جهود المجتمعات نفسها. ومن اللافت مدى الترابط بين مصائر مجتمعات المنطقة، رغم غياب أي مشروع مشترك بينها: سقوط نظام هنا يتقاطع مع حرب هناك، وانفجارات اجتماعية تتزامن في أكثر من بلد، لكن بلا أفق جامع. حتى الهزات الكبرى تأتي بتوقيت مشترك، من دون مشروع مشترك.

لو نجحت هذه المجتمعات في تأسيس دول ذات شرعية حقيقية، فإن هذه الشرعية ذاتها يمكن أن تتحول إلى أساس لتحصين السيادة، سواء عبر تعاون اقتصادي قائم على المزايا الاقتصادية النسبية، أو عبر تكتلات إقليمية، أو حتى صيغ كونفيدرالية مرنة. وذلك في مواجهة نظام دولي يبدو أنه يدخل مرحلة إعادة ترتيب قاسية، تحكمها منطق القوة المفرطة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، بلا مواربة: أين سيكون موقعنا من هذا العالم، إن لم نملك دولة شرعية وسيادية في آن واحد؟

الخاتمة – دعوة للتنظيم والفعل السياسي

إذا كانت أزمة الدولة ناتجة عن غياب الشرعية الداخلية وتآكل السيادة الخارجية، فإن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يكون شأناً نظرياً أو نخبوياً فقط. فالسلطة في أساسها مستمدة من المجتمع، وهذا يضع مسؤولية مباشرة على الأفراد للانتظام السياسي في سبيل المشروع التحرري والديمقراطي.

كما تقع مسؤولية خاصة على التنظيمات والحركات الثورية، في المساهمة في إغناء هذا الطرح، وتطويره، ونقله من مستوى النقد إلى مستوى المشروع فغياب تصور واضح للدولة كان أحد أسباب انكسار الثورات، وتحولها إما إلى فوضى مدمرة أو إلى عودة أنظمة أكثر عنفاً من سابقها.

المراجع:

بشارة، عزمي. الدولة والأمة ونظام الحكم: إشكاليات نظرية وسياقات عربية.المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 

مولى، علي الصالح. الدولة الهجينة أو حين تنوء الدولة القطرية بتاريخها. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

«هل الدول العربية "كيانات وظيفية"؟ حوار مع الكاتب د. هشام البستاني» 

«برنامج "قادِرون" – في إشكالية "الدولة" كمقاربة تحررية»

سجلوا كمؤيدين لحل الدولة الديمقراطية الواحدة

للمشاركة

Scroll to Top