أثارت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني النقاش القديم حول الجدوى من المشاركة والمقاطعة. كما أثار إعلان التحالف العريض الذي يجمع حماس بدحلان، والذي يشمل للمرة الأولى الجهاد الإسلامي، ردات فعل تراوحت بين الترحيب والاستغراب والرفض. فهل تشكل هذه الانتخابات فرصة أم فخًّا؟
ما الغاية من الانتخابات؟
على عكس الرأي الشائع، ليست الانتخابات أداة تغييرية بل أداة محافِظة. فالانتخابات تعكس إرادة المجتمع لكنها لا تؤثر على السياق المادي والثقافي الذي يصوغ هذه الإرادة. فعلى سبيل المثال، الخيارات التي اتخذتها سلطة رام الله مثل توظيف أعداد ضخمة من الفلسطينيين لأسرهم في شبكات زبائنية، وقبول مقترح باريس لإغراق الضفة بالديون، والتنسيق الأمني مع العدو، كلّها سياسات ساهمت في تشكيل المجتمع الفلسطيني في أراضي الـ67. والانتخابات لن تغيّر هذه الوقائع. في حين يكمن التغيير في فرض سياسات على نقيض التي فُرِضت، وهو ما سنعود إليه ختامًا.
وعليه، يمكن وصف الانتخابات بـ"صورة" أو "لقطة شاشة" لشكل المجتمع، لا حدثًا فارقًا بحد ذاته. وهي بالتالي أداة في يد الأنظمة السياسية لتثبيت شرعيتها. ولذا تلغي أو تؤجل الأنظمة الانتخابات حين تستشعر أن المجتمع تغيّر بشكل قد يهدد شرعيتها، كما حصل في فلسطين وبلدان أخرى. وفي حالات نادرة، يسيء صناع القرار التقدير فيجرون انتخابات تزعزع شرعيتهم، كما حصل مع سلطة رام الله عام 2005. ولذا قررت، وبكل بساطة، تعطيل المجلس التشريعي. نعم: الانتخابات لا تغيّر الأنظمة.
هل يحتّم الظرف المشاركة أم المقاطعة؟
لا يحتّم ما سبق المقاطعة. فالانتخابات ليست أداة تغيير لكنها ساحة من الساحات التي يمكن مواجهة السلطة فيها في سياق مسار ثوري. وما يحدد قرار المشاركة ليس حتميات نظرية بل قراءة دقيقة للظرف. والظرف في سياق انتخابات المجلس التشريعي اليوم ينطوي على أمرين رئيسيين. فمن ناحية، المجلس التشريعي هو جهاز من أجهزة السلطة الفلسطينية، أي من مخلّفات اتفاق أوسلو. كما أن شروط الترشح تعني —نظريًا أم عمليًا، مثلما شئتم— الاعتراف بهذا المشروع التطبيعي والانهزامي ومنحه الشرعية.
أما من ناحية أخرى، تأتي هذه الانتخابات عقب ثلاثة سنوات من الإبادة سعى العدو فيها لتصفية حركة حماس مرة وإلى الأبد. وهو يبثّ خطابًا مفاده أن حماس انتهت عسكريًا وسياسيًا ودوليًا وشعبيًا وأخلاقيًا. وهو خطاب يكرره عدد من الفلسطينيين، إن كان عن انتهازية أو عن إحباط أو غير ذلك. لذا، قد يكرّس امتناع حماس عن المشاركة فكرة أنها خرجت من المشهد السياسي الفلسطيني. ولو امتنعت حماس والفصائل الإسلامية والوطنية من المشاركة في انتخابات 2005 —بل لو تُرِكت فتح وحيدة في منظمة التحرير!— لكانت المقاطعة اليوم أقل وطأةً. لكن قرار المشاركة اتُّخِذ آنذاك ومن الصعب ألا تُفهم مقاطعتها اليوم أنها تراجعًا، أي إقرارًا ضمنيًا منها بصوابية زعم العدو.
ولا يعني السعي لمواجهة سردية العدو أبناء حماس فحسب. فمهما كان رأينا بفكرها وأدائها في إدارة غزة وقرار الطوفان، تشكّل حماس، في واقع الحال، بجناحها المسلح وبتنظيمها، أحد عناصر القوة (النادرة!) المتوفرة للشعب الفلسطيني. صحيح أن سلاحها لم يكن كافيًا لوقف حمام الدمّ، لكن نزعه سيكشف الشعب الفلسطيني أكثر بعد، ولذا يتمسك العدو بمطلبه هذا. وصحيح أنها لم تتمكن من كسر الحصار وتأمين حاجات غزة الأساسية، لكن خسارة قدرتها التنظيمية يشكل تهديدًا حقيقيًا لغزة، ولذا يستهدف العدو مسؤولين إداريين فيها على نحو شبه يومي.
ولعلّ هذا الظرف ما يرجّح الكفة للمشاركة بقوة في الانتخابات التشريعية. وهو ما يفسّر قرار الجهاد الإسلامي التاريخي وتحالف حماس مع دحلان. فالهدف ليس توحيد الرؤية بقدر ما هو مواجهة خطاب العدو المتعلق بنهاية حماس وسعيه لتصفيتها تسهيلًا لتصفية كامل فلسطين. وكان من شأن إعلان هذا التحالف العريض من جهة وتخبط فتح من جهة أخرى قلب المعادلة من "حماس معزولة" إلى "فتح معزولة". وهو ما قد يدفع هذه الأخيرة لتعديل شروط الترشح أو إمكانية التصويت، أو حتى إلغاء الانتخابات. فالانتخابات، لا ننسى، أداة في يد السلطة!
الأهم: أين المشروع؟
في الوقت الذي تكرّر فيه القيادات والنخب الفلسطينية، للعقد الثاني أو الثالث على التوالي، خطابات المشاركة البراغماتية والمقاطعة الطهرانية، ما زالت غزة تنزف والضفة تهوَّد. فالعدو لا يدَع انتخابات الكنيست تلهيه عن طرح المشاريع ومناقشتها والاختيار بينها وتنفيذها. فماذا عنا؟
ما يغير الواقع ليس إدانته إنما طرح البديل عنه. فما تحتاجه فلسطين، لاسيما غزة والضفة، هو مشروع سياسي يرى فلسطين واحدة في وجه سعي العدو لتفكيكها، ويعمل (قدر المستطاع) لبناء اكتفاء غزة والضفة الذاتي في وجه الحصار والتهجير، ويشرك المجتمع بالنقاش والخيار والمواجهة على قاعدة العداء للاحتلال، ويحشد طاقات الفلسطينيين في ساحات مواجهة تؤثر على موازين القوى. لكي تكون الانتخابات فرصة للتقدم لا فخًا يشتّتنا عن قرع جدران الخزان، على القوى والقيادات والنخب، المشارِكة كما المقاطِعة، بلورةُ مشروع لإنقاذ غزة وتحرير فلسطين والعمل على فرضه.
