يعاني الشعب الفلسطيني في غزة من إبادة مستمرة تتمثل بالحصار والتجويع والقتل وغيرها. ولن يمنع شيءًا العدو بالاستمرار في ذلك ما لم نجترح أوراق القوة لفرض ما استطعنا من الضوابط والشروط عليه. كما أن إدانة هذا الواقع لن ينفع بشيء، فما يغيّر الواقع ليس رفض الموجود إنما طرح البديل عنه.
من ناحية أخرى، يتمحور النقاش حول انتخابات المجلس التشريعي حول الجدوى من المشاركة أو المقاطعة. لكن الانتخابات أداة في يد مشروع سياسي، والملفت أنه لم يتمّ طرح أي مشروع لغزة وفلسطين. لذا نطرح هنا طرف مشروع يتمثل في أربعة عناوين رئيسية.
أولًا: رؤية لغزة كجزء من فلسطين. الاستعمار قائم على تفكيك المجتمعات التي يستهدفها. والعدو يسعى لفصل غزة عن فلسطين، وخطة "العبور الحر" الهادفة لتهجير الفلسطينيين من غزة تسير على قدم وساق، من خلال تدمير الشعب وتحويل حياته لجحيم. وهذا كله ما يُضعف الفلسطينيين في غزة في مواجهة مشروع التهجير ويصفّي فلسطين نفسها.
لذا إن أي مشروع لغزة يجب أن يلحظ كون إبادة وتهجير غزة جزء من مسعى استيطان كل فلسطين، وبالتالي أن يقدّم طرحًا لغزة في سياق مشروع متكامل لصمود الشعب الفلسطيني حتى تحرير كامل التراب الوطني. وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال:
- مراجعة المصطلحات الشائعة وطرح بدائل عنها عند الحاجة. على سبيل المثال، "الفلسطينيون في غزة" عوض "الغزاويين"، "الشعب/المجتمع الفلسطيني في غزة" عوض "الشعب/المجتمع الغزاوي".
- تمييز الخطاب التفتيتي وبلورة بديل له. على سبيل المثال، "لا يتكلم عن غزة إلا أهلها"، "إبعاد حماس عن غزة" (وكأن أعضاء حماس ليسوا حزءًا عضويًا منها).
- التواصل مع السياسيين والإعلاميين والنخب بشأن هذا الخطاب.
- إنشاء شبكات إخبارية وإعلامية وبرامج أخرى تعكس واقع وحدة فلسطين. على سبيل المثال، شبكة إخبارية تهتم بشأن كل فلسطين.
ثانيًا: السعي قدر المستطاع لبناء اكتفاء غزة الذاتي. يسعى العدو لتجويف وتفقير غزة بهدف تهجير سكانها. لذا، أن التفكير بوسائل عملية لتوفير مقومات الحياة الأساسية هو ركيزة للصمود الفلسطيني في غزة. وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال:
- السكن: البحث في إمكانية بناء بيوت بالمواد المحلية.
- الطعام: استيراد بذور، التركيز على زراعة المواد الأساسية، تدريب الفلسطينيين على الزراعة في البيت أو على أسطح المباني.
- الماء: البحث في إمكانية تعلم تقنيات بسيطة لتحلية مياه البحر، تدريب الفلسطينيين على ذلك.
- الأدوية: إعادة إنشاء معامل محلية، ربما صغيرة الحجم ومبعثرة.
- الطاقة: تهريب ألواح طاقة شمسية، تدريب فلسطينيين على صيانتها، البحث عن مصادر أخرى لإنتاج الطاقة، الاستفادة من تقنية e-sim لتوفير الاتصال بشبكة الإنترنت.
- العمل: توفير فرص عمل محلية أو إلكترونية، لاسيما في إنتاج ما سبق.
- تحويل الأموال: استخدام شبكة مصرفية منفصلة عن الاحتلال، استخدام عملات رقمية.
- التعليم والتثقيف الاجتماعي: دعم المبادرات التعليمية، ومراكز تثقيف المرأة والطفل، وبناء مؤسسات أهلية داخل غزة تهدف لاعادة ترميم الانسان، وبناء وعي سياسي واجتماعي يكون رد فعل على الابادة، لا انسياق نحو هدفها.
ثالثا: إشراك المجتمع بالنقاش والقرار والمواجهة على قاعدة العداء للاحتلال. فمن ناحية، المجتمع الفلسطيني في غزة متعدد الآراء، كالتوجهات الإسلامية والقومية واليسارية وغيرها، أو الموقف من طوفان الأقصى. لذا الترحيب بالآراء المختلفة على قاعدة العداء للمشروع الصهيوني والتزام مشروع إنقاذ غزة وتحرير فلسطين يصون لُحمة هذا المجتمع ويحميه من الآراء الإقصائية و/أو التطبيعية.
من ناحية أخرى، يشعر من هم هم خارج دوائر اتخاذ القرارات المتعلقة بشكل المقاومة وحجمها وتوقيتها أن هذه القرارات فُرضت عليهم من أصحابه. وهذا ما يُحدث شرخًا بين القياديين وسائر المجتمع، عوض الالتفاف العام حول المقاومة. وقد رأينا تجليات عدّة لهذا الخطر خلال طوفان الأقصى، إحداها دعوة القياديين والمقاومين للابتعاد عن أماكن وجود "غيرهم". ويمكن معالجة الأمر على مستويين على الأقل، أولًا: إشراك المجتمع في القرار المقاوم من خلال تنظيمات ديمقراطية، ترحّب بالحوار والمشاركة في القرار على قاعدة العداء للكيان. ثانيًا: إشراك المجتمع في الفعل المقاوم من خلال عدم حصره بالسلاح. وهذا ما يقودنا للنقطة الأخيرة.
رابعًا: حشد طاقات الشعب الفلسطيني في غزة في ساحات مواجهة تؤثر على موازين القوى. بالإضافة لبناء اكتفائه الذاتي ولخيار المقاومة المسلحة، تشمل هذه الساحات، على سبيل المثال:
- الجهود القانونية لمواجهة الاحتلال
- تأسيس إعلام مقاوم يستغل التناقضات بين المستوطنين لدفعهم نحو اقتتال
- التواصل مع المجموعات المناهضة للصهيونية في البلدان العربية والعالم لقيادة الحراكات الداعمة لفلسطين
- الانخراط في مجموعات سياسية تعمل في فلسطين والشتات لتوحيد الصف الفلسطيني والمساهمة في بناء القدرة التنظيمية نحو انتفاضة شعبية.
وهذا كله ما يستدعي إطلاق برامج تثقيفية لتعميق الفهم السياسي وبناء القدرة على ممارسة العمل السياسي.
ختامًا، وكما ذُكر، لن تتمّ مواجهة مشاريع العدو من خلال استنكارها ولا من خلال مجرد خوض الانتخابات التشريعية أو مقاطعتها، إنما من خلال بلورة مشروع سياسي لإنقاذ غزة وتحرير فلسطين. وعليه، ندعو الحركات والنخب والمواطنين في فلسطين والشتات لتحمل مسؤوليتهم في هذا الخصوص، ونطرح النقاط أعلاه في هذا السياق.
