الحرب فعل سياسي محفوف بالمخاطر يهدف إلى تغيير موازين القوى. فما هي الموازين التي سعى الكيان والولايات المتحدة إلى فرضها حين أطلقا حربهما على إيران؟ ماذا كانت النتيجة؟ وما العمل؟
تمييز التحليلات التبسيطية
الحرب ليست نتيجة شخصية ترمب. فلرجال الدولة ونسائها، بمن في ذلك الرؤساء، هامش من الحرية، لكنه محدود بموازين القوى الكامنة في مجتمعاتهم. وأصبح ترمب المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري نتيجة تفاوض بين كتل مصالح أمريكية ترى مصلحتها في المشروع السياسي الذي كان مستعدًا أن يحمله. على سبيل المثال، أسقط مجلس الشيوخ الأمريكي في آذار 2026 مشروع قانون كان يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس في مجال الحرب. وبالتالي، فإن هذه الحرب هي حرب الإدارة الأمريكية لا حرب ترمب.
على نحو مماثل، لم تخض الإدارة الأمريكية الحرب لصرف الانتباه عن ملفات إيبستين. فالملفات لا تشكل تهديدًا عليها. بل إن الرأي العام نفسه تأثيره محدود في واقع الولايات المتحدة الرأسمالي. على سبيل المثال، لم يُسَنّ العديد من القوانين الاتحادية الأساسية للحد من انتشار الأسلحة رغم شعبيتها، ولن تُسنّ على الأرجح ما دامت مجموعات الضغط التابعة لقطاع الأسلحة، كالاتحاد القومي للأسلحة، تتمتع بهذه السيطرة الكبيرة. بل إن التركيز على ملفات إيبستين يصرف الانتباه عن البرنامج السياسي الذي أتى العدوان الأمريكي على إيران في إطاره.
الأمر نفسه ينطبق على فكرة تحكم الكيان بالولايات المتحدة. فلا شك أن اللوبي الصهيوني يعمل للتأثير على قرارات الولايات المتحدة. لكن سياسات الكيان نفسها هي محصلة تفاوضية بين كتل مصالحه كالأحزاب السياسية وقطاع الأسلحة ورجال الدين وغيرهم. وهذا ما يصح بخصوص الولايات المتحدة. فالديناميكية بين كل هذه الأطراف تشكل شبكة دقيقة من التأثير يجب عدم اختزالها في فكرة تحكّم الكيان بالولايات المتحدة، وهو موقف يحول دون تحليل أعمق لمشروع الولايات المتحدة.
توازن القوى الذي سعت الولايات المتحدة إلى فرضه في إيران
قدّم بياننا الأخير عن فهم التحول التاريخي في السياسة العالمية للولايات المتحدة والتعامل معه قراءةً في استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الولايات المتحدة في تشرين الثاني 2025. وهو مستند يعتبر أن النفوذ الصيني المتنامي يشكّل التحدي الرئيسي الذي يواجه الولايات المتحدة، ويخلص إلى أن السياسة الأمريكية التي اتُّبعت على مدى الأعوام الثلاثين الماضية بهدف احتواء هذا النفوذ قد باءت بالفشل. وبناءً على ذلك، ينص على أن أولوية الولايات المتحدة الآن هي مواجهة الصين اقتصاديًا وعسكريًا. ويشمل ذلك زيادة الإنتاج محليًا (وهو ما يفسّر الرسوم الجمركية)، وفرض الهيمنة على القارة الأمريكية (وهو ما يفسّر التهديد على فنزويلا وغرينلاند وكوبا)، وتقليل أولوية المشاركة في مناطق أخرى (وهو ما يفسّر الموقف بشأن أوروبا أو حلف شمال الأطلسي) من أجل توجيه الموارد لمواجهة الصين.
كما تحدد استراتيجية الأمن القومي أهداف الولايات المتحدة بخصوص ما تسميه الشرق الأوسط. فهي ستتوقف عن محاولة إحداث تغييرات نظامية مكلفة. كما أنها لم تعد مهتمة بالحصول على النفط، نظرًا لأنها أصبحت الآن مصدرًا صافيًا للطاقة، ولواقع تنويع مصادر الطاقة. وبدلًا من ذلك، أصبح هدفها الأساسي هناك هو "الاستقرار"، الذي يتيح لها تخصيص مواردها لمواجهة الصين. وقد حددت الوثيقة التحدي الرئيسي الذي يواجه هذا الاستقرار: إيران وحلفاؤها.
وعليه، هدفت المفاوضات مع إيران إلى تحولها من "قوة مزعزعة للاستقرار" إلى دولة خاضعة لا تشكل تهديدًا عسكريًا أو نوويًا ولا تدعم تنظيمات مسلحة في المنطقة ولا تستطيع إغلاق مضيق هرمز وتطبّع مع الكيان. لكن إيران لم تقبل، فسعى الكيان والولايات المتحدة لفرض هذه الأهداف بالقوة العسكرية، إما من خلال إخضاع النظام وإما من خلال تدمير قدراته العسكرية والاقتصادية.
فشل الولايات المتحدة
يظهر أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها. فالنظام الإيراني لم يركع، وحافظ على قدرته على الرد العسكري على مستوى المنطقة. بل استطاع أن يشكل تهديدًا لشرعية أنظمة الخليج التي سهّلت العدوان عليه. وأحدثت ضرباته لبنيتها التحتية شرخًا بين عائلاتها الحاكمة ورأسمالييها الذين كانت مصالحهم تتداخل بشكل كبير في السابق. وهددت نموذج "الملاذ الآمن للاستثمار" الخاص ببلدان كقطر أو الإمارات فأظهرت أن اصطفافها مع العدوان الأمريكي قد يؤدي إلى انهيارها. وتهديداته لمحطات التحلية هددت بقاء مدن بأكملها في المملكة السعودية.
كما أن صمود النظام الإيراني شكّل تحديًا للولايات المتحدة نفسها التي يعتمد اقتصادها إلى حد كبير على البترودولار. فالتزام أنظمة الخليج ببيع نفطها بالدولار يخلق طلبًا هائلًا على الدولار الأمريكي، مما يضمن هيمنته، في حين تُستثمر عائدات هذا النفط في الغالب مرة أخرى في الاقتصاد الأمريكي. ويشكل هذا النظام ركنًا أساسيًا لضخامة الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية. لذلك، كان تهديد إيران لاقتصادات الخليج، إن كان لعائداتها الفعلية من النفط أو لقرارها بالاستثمار في الولايات المتحدة، تهديدًا للاقتصاد الأمريكي نفسه. علاوة على ذلك، لم يشمل الدفاع عن النفس الذي مارسته إيران وقف تدفق النفط، بل السماح به عند الدفع باليوان واليورو وحتى العملات المشفرة، وهو ما شكل ضربة لنموذج البترودولار.
فشلت الولايات المتحدة حتى الآن في إرساء توازن قوى جديد لصالحها. بل وافقت على وقف إطلاق النار بشرط أن يظل مضيق هرمز مفتوحًا، وهو ما كان عليه الحال بالفعل قبل الحرب. إلا أن إيران تسعى إلى فرض توازنها الخاص. فيشمل اقتراحها المكون من عشر نقاط الاعتراف بحقوقها النووية، وفرض رسوم جمركية على السفن المارة عبر مضيق هرمز، ووضع حد للحروب في المنطقة، وانسحاب القوات الأمريكية، دون أي ذكر للتخلي عن دعم حلفائها أو التطبيع. وفي حين أنه من المستبعد جدًا أن توافق الولايات المتحدة على هذه الشروط، يمكن لإيران ببساطة أن تمضي قدمًا كما تشاء، بما في ذلك السيطرة على مضيق هرمز التي يبدو أنها تفاوضت بشأنها مع عُمان.
بالمحصلة، فشلت محاولة الولايات المتحدة التخلص مما تعتبره عنصرًا مزعزعًا للاستقرار من أجل تركيز مواردها على الصين. وهذا يشكل تحديًا حقيقيًا لخطتها الرامية إلى إعطاء أولوية أقل للمنطقة. كما تشكل هذه التطورات تهديدًا للكيان، الذي لا يأبه لمواجهة الولايات المتحدة للصين بل يريد القضاء على إيران بأي ثمن، بحيث يسلط الضوء على اعتماده على قوة أجنبية قد تكون غير راغبة أو غير قادرة على المضي قدمًا.
توازن قوى جديد قيد التشكّل
لا يعني ما سبق أن الولايات المتحدة والكيان قد اعترفا بالهزيمة. فقد كشفت الحرب على إيران عن سعيهما إلى توظيف الهويات لتفتيت إيران، وهو تكتيك استعماري معتاد. ففي السنوات الأخيرة، طرح سياسيون ومراكز فكر أمريكية وصهيونية استغلال الانقسامات العرقية والدينية في إيران لتفتيت مجتمعها. وقد سعت الولايات المتحدة جاهدةً إلى تنفيذ هذه الاستراتيجية خلال الحرب، وستواصل دون شك القيام بذلك. إن اختيار النظام الإيراني أن يكون جمهورية دينية بدلًا من ديمقراطية علمانية، وأن يتعامل مع أقلياته العرقية على أساس قَبَلي بدلًا من أن يكون دولة لجميع مواطنيها، يجعله عرضة لمثل هذا التفتيت. وتستمر الحرب على لبنان في استغلال انقسامات مماثلة، حيث يدفعه العدوان الصهيوني الأخير إلى الاختيار بين الحرب الأهلية والتطبيع. وبالطبع، يستمر استيطان فلسطين.
ما زال توازن القوى قيد التشكل. لما حصل دروس لمنطقتنا. فخارجيًا، نرى أنه يمكننا قهر الولايات المتحدة والكيان، فهما قويان لكنهما هشّان. وتبينت مجددًا عدم صحة زعم الصهيونية التأسيسي القائل بأمان اليهود في دولة استيطان معسكرة وخاصة بهم، وهو مكمن ضعف ينبغي استغلاله في خطاب موجه للمستوطنين. أما داخليًا، فتفتتنا الهوياتي هو حلقتنا الأضعف، وعلى تماسك مجتمعاتنا أن يكون ركن مقاومتنا. لكن أصحاب القرار لا يأبهون لكل ذلك. لذا، على حركاتنا السياسية ومواطنينا أن ينتقلوا من خانة المشاهدة والاصطفاف المطلق مع الأنظمة الحاكمة إلى الانتظام حول مشاريع سياسية تحمي مجتمعاتنا من التفكك الهوياتي وتتحدى الهيمنة الاستعمارية.
