في نوفمبر 2025، أصدرت الإدارة الأمريكية استراتيجيتها للأمن القومي (NSS) التي تهدف إلى "منع هيمنة دول أخرى على العالم". وخصت الصين بالذكر، معتبرةً أن سياسة الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة الماضية، التي ركزت على فتح أسواقها أمام الصين، والاستثمار فيها، وتشجيعها على الانضمام إلى "النظام الدولي القائم على القواعد"، كانت "خاطئة". وبناءً على ذلك، تعلن استراتيجية الأمن القومي عن تغيير تاريخي: ستتبنى الولايات المتحدة الآن "نهجًا مزدوجًا" لتحقيق الاستقلال الاقتصادي عن الصين من جهة وبناء قوة عسكرية لردعها من جهة أخرى. كما توضح الوثيقة بشكل صريح كيف سيوجه هذا التغيير سياسة الولايات المتحدة العالمية.
والعديد من المناقشات المتعلقة بالتطورات الأخيرة والحالية في فنزويلا وغرينلاند وإيران وسوريا وفلسطين لم تأخذ في الاعتبار هذا التحول الهام بالعمق والجدية الكافيين. فقد ركزت على أحداث أو مفاهيم عامة مثل مناهضة الإمبريالية والحق في تقرير المصير. يقدم هذا التحليل قراءة للوضع العالمي استنادًا إلى الاستراتيجية المعلنة للولايات المتحدة، بهدف مواجهتها. ولا نقدم هذه الملاحظات على أنها حقائق مطلقة، بل كدعوة إلى التنسيق بين الجهات الفاعلة السياسية ذات التفكير المماثل وفتح باب النقاش بينها.
تغيير سياسة الولايات المتحدة في القارة الأمريكية وغرب آسيا
تمنح استراتيجية الأمن القومي الأولوية للنصف الغربي من الكرة الأرضية، وتسعى إلى "حرمان المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضية [مثل الصين] من القدرة على نشر قوات أو قدرات تهديدية أخرى، أو امتلاك أصول استراتيجية حيوية أو السيطرة عليها". ولتحقيق ذلك، تخطط الولايات المتحدة لتجنيد القوى الإقليمية وتوسيع شبكتها المحلية.
ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة ستدعم الفاعلين الرأسماليين، ولكنها "لن تتجاهل الحكومات ذات التوجهات المختلفة" إذا إذا شاركتها مصالحها. فالإدارة تزعم أن استراتيجيتها "لا تستند إلى أيديولوجية"، مؤكدة أن وقت نشر الأيديولوجية الليبرالية قد انتهى. والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة ما تزال تسعى للحصول على موارد استراتيجية، وتصرح في نفس الوقت أن سعيها للحصول على مصادر الطاقة مثل الوقود "لم يعد ضروريًا" بسبب سيادتها على الطاقة. وهذا يدل على أن الهيمنة على القارة، لا وضع اليد على النفط، هي غاية العدوان على فنزويلا.
وبالتالي، ستحول الولايات المتحدة مواردها بعيدًا عن مسارح أخرى، مما يؤدي إلى إعطاء أولوية أقل لـ "الشرق الأوسط"، مما يعبر عن تحول في المسار التاريخي. وفي حين ستحافظ الولايات المتحدة على قدراتها في التدخل العسكري، فإنها تعتزم تجنب الحروب الطويلة وتغيير الأنظمة، وبدلًا من ذلك تقبل الأنظمة الإقليمية "كما هي". والآن، بعد أن تقدّر الولايات المتحدة أنها نجحت في إخضاع المنطقة، بما في ذلك من خلال إعطاء الأنظمة القائمة الأولوية لمصالح الولايات المتحدة، فإن هدفها الأساسي هناك هو "الاستقرار". وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعتبر إيران "القوة الرئيسية المزعزعة للاستقرار"، تقدّر أنها وحلفاءها قد ضعفوا بشدة، مما يجعل المنطقة "أقل إزعاجًا". وستقوم الولايات المتحدة الآن "بتحويل عبء مكافحة التطرف وبناء السلام" إلى الدول المحلية.
تؤدي هذه الأولويات إلى تقليل التفتت الهوياتي الناجم عن العوامل الخارجية، ولكنها تعني اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية ضد العناصر التي "تهدد الاستقرار". وعلى الفاعلين الثوريين والديمقراطيين فهم هذه الفرص والعقبات الجديدة، وتعديل مسارهم.
ماذا يعني هذا بالنسبة للجهات الفاعلة السياسية المحلية
يشرح التغيير في سياسة الإدارة الأمريكية سبب تخليها عن "قوات سوريا الديمقراطية" لصالح سوريا موحدة، وهي خطوة تتعارض مع دعم الكيان للحركات الانفصالية الدرزية والعلوية. تشير المفاوضات بين الحكومة السورية وقسد إلى أن العناصر غير التابعة لهيئة تحرير الشام ستنضم إلى الإدارة السورية، في ترتيب هوياتي على غرار لبنان. على الرغم من أن هذا التحول بعيد عن المثالية، إلا أنه قد يوفر هامشًا للسياسة التعددية. يجب على القوى المحلية الاستفادة من ذلك لتعزيز الرؤى غير الهوياتية، لا سيما من خلال الدفع نحو مواجهات تركز على حقوق المواطنين.
فيما يتعلق بإيران، تركز الولايات المتحدة على منع النظام من أن يكون "قوة مزعزعة للاستقرار". وهذا يعني أنها لن تفكر في فرض تغيير النظام هناك إلا إذا قدّرت أن بقاء النظام يزعزع الاستقرار أكثر من سقوطه. وهذا لا يتوافق مع مصالح الكيان، الذي يسعى إلى القضاء على الأنظمة المعادية له بغض النظر عن تحولات الموارد الأمريكية. ومن المرجح أن تركز المفاوضات الحالية على مقدار السلطة التي سيتنازل عنها النظام الإيراني وما إذا كان سيشارك في التطبيع من أجل بقائه. ونظرًا لتاريخ إيران في التنسيق التكتيكي مع الولايات المتحدة والكيان خلال الأزمات، مثل قضية كونترا وعملية سيشيل (Operation Seashell)، فإن مثل هذا السيناريو ممكن. حتى الآن، لم تعرب الصين عن استعدادها لدعم إيران اقتصاديًا أو عسكريًا بطريقة تشكّل ثقلًا كبيرًا على موارد الولايات المتحدة في المنطقة. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا سيتغير. ويجب على القوى الإيرانية المناهضة للإمبريالية والديمقراطية أن تأخذ هذه التغييرات في الاعتبار.
رفضت القوى الإقليمية مثل تركيا والسعودية وقطر وباكستان دعم العمل العسكري ضد إيران، لأنها مهتمة أيضًا بالاستقرار، ولأنها تدرك أن إضعاف النظام الإيراني يخدم هيمنة الكيان، التي استهدفها و/أو هددها مؤخرًا. إن سياسة "تحويل العبء" التي تنتهجها الولايات المتحدة تعطي الضوء الأخضر لهذه البلدان لتقوية نفسها. بالمقابل، إن استمرار الدعم الأمريكي لأنظمة الخليج لا يترك مجالًا كبيرًا للقوى الديمقراطية المحلية، التي قد تجد أن العمل السري واختراق المؤسسات استباقاً لفرص مستقبلية هو خيارها الاستراتيجي الأفضل.
في لبنان، تدعم بعض المنظمات السياسية خطة الولايات المتحدة للتطبيع مع الكيان، في حين أعلن حزب الله أنه "تحت أوامر" المرشد الأعلى الإيراني. يجب أن تظل القوى المحلية المناهضة للإمبريالية خارج هذه الثنائية، وتقدم خطابًا مناهضًا للصهيونية قائمًا على تهديد الكيان للبنان لا على الانتماء الديني. يجب أن تستفيد من سياسة عدم التدخل الأمريكية للدفع باتجاه سياسات تحرر المواطنين من زعماء الطوائف وتبني قدرة سيادية على صنع القرار.
في فلسطين، تواصل الولايات المتحدة دعمها للاستعمار الاستيطاني وتسعى إلى إنهاء "عدم الاستقرار" من خلال الدعوة إلى نزع سلاح المقاومة. وهذا يتطلب جبهة فلسطينية موحدة ترفض التنازل عن السيادة. من ناحية أخرى، فإن "وقف إطلاق النار" (أو "إبطاء الإبادة الجماعية") الذي فرضته الولايات المتحدة هو أيضًا نتاج هذا التركيز على الاستقرار وقد يحبط خطط الكيان لتصفية عرقية في الضفة الغربية. يجب على المنظمات الفلسطينية أن تستغل الحد النسبي من العنف الصهيوني الناتج عن ذلك لابتكار مواجهات غير عنفية مع الكيان، دون التنازل عن الحق في المقاومة المسلحة، بما في ذلك المقاومة المدنية والشعبية، وقيادة الجهود العالمية لعزل الكيان سياسيًا واقتصاديًا وأكاديميًا، والمواجهة القانونية، والأهم من ذلك، الحرب السردية التي تركز على الرؤية الفلسطينية التاريخية لدولة ديمقراطية واحدة بدلًا من دولة يهودية.
